غريزة الموت في صيغتها النهائية

فرناندو بوتيرو

حسب رائد علم النفس فرويد، تتنازع الإنسان غريزتان: غريزة الحياة «إيروس» وغريزة الموت «ثاناتوس». الأولى تبحث عن المتعة والبقاء وتجميع الأجزاء، والثانية تعمل نحو التدمير وتفكيك المترابط، ويظهر عملها فى سلوكين محددين هما الرغبة فى إيذاء الغير «السادية» والرغبة فى إيذاء النفس «المازوخية».

وما يصح على الأفراد يصح على المجتمعات، حيث تفسر هذه النظرية نزعات الاستبداد التى تبدأ عادة بالرغبة فى الحياة حتى تستنفد كل المتع فتتحول إلى الرغبة بالموت، وهكذا تتابع دورة حياة المجتمعات والأنظمة السياسية من نهضة إلى اضمحلال ثم موت يفسح المجال لميلاد صيغة جديدة تحل محل القديمة التى طلبت الموت واستحقته عن جدارة.

وقد كان مبارك هو النهاية الواقعية لنظام يوليو 1952 الذى بدأ بالتحلل منذ قرار السادات بالانفتاح الاقتصادى. كان النظام السياسى حتى العبور فى 1973 يتبع غريزة الحياة، هناك قمع فكرى وفى المقابل يوجد أمان اجتماعى يتمثل فى التعليم والعلاج والتوظيف والإسكان الذى توفره الدولة. ولم يكن اختفاء هذه المزايا الاجتماعية إلا ولوغًا فى انحلال الصيغة.

من حق الأب القائد الذى يُعلم ويوظف ويداوى أن يفرض القيود المقبولة طوعيًا، لكن ما حدث بعد دخول ولديّ مبارك عالم البيزنس أسقط حق الطاعة عن الأب الحاكم بما يجافى المنطق؛ الأب المنتحر إن شئنا الدقة. وقد تجلت الرغبة فى الانتحار من خلال نزعة التكويش والاستحواذ التى أصبحت عقيدة سياسية. تحالف الرأسمالية الجديدة الذى امتص ثمالة رحيق شرعية يوليو الممثلة فى شخص حسنى مبارك لم ينظر إلى مصر إلا بوصفها سوقًا ولم ير من وجوه شعبها إلا وجه الزبون. وهكذا كان إغلاق الباب فى وجه المشاركة السياسية مع إغلاق أبواب المشاركة فى الثروة الانتحار بعينه!

وسواء وصفنا 25 يناير 2011 بالثورة أو الهبّة الشعبية، فإنها لم تكن لتندلع إلا بفضل تلك الرغبة فى الانتحار التى تملكت النظام السياسى فى صيغته المباركية المتأخرة، عندما تقدمت الرأسمالية الجديدة على السلطة وجعلتها تابعة لها.

ومن المدهش أن تنهار كل أشكال الثقافة بين يدى مبارك، من الكتاب إلى الفيلم إلى المسرح، لكن هذا الأخير كان محظوظًا ووجد ضالته فى الممارسة السياسية، إذ تحول الانتخاب إلى شكل من أشكال تمثيل للديمقراطية، وكانت ذروة هذه النهضة المسرحية هى انتخابات 2010 التى حقق الحزب الوطنى فيها فوزه الساحق والكاسح، حسب مانشيتات الصحف يوم إعلان النتيجة.

الساحق والماحق أى «النصر الكامل» بلا صوت آخر هو فى حقيقته نزعة سادية تدميرية، غير واعية، لذلك لم يجد النصح بالكتابة عينًا قارئة ولم تجد الإضرابات عقلاً واعيًا، ولا حتى نصائح الأمريكيين أثمرت لدى حسنى مبارك، ولم يفهم أن نصائح الحليف الأمريكى كانت من باب الحرص على استمرار نظامه، أو بالأحرى النظام المنسوب إليه، رغم أنه لم يكن أهم الفاعلين فيه خلال سنوات حكمه الأخيرة.

والطريف ـ لا الغريب ـ أن خمس سنوات على سقوط مبارك الشخص لم تهز شعرة فى أركان دولته التى استبد بها الكبر، فلم تلد من رحمها طفلاً يعرف خطورة السحق والمحق، وخطورة النصر الكامل الذى يتجاهل كل قوانين الطبيعة والمجتمع.

لشديد الأسف، لا يعرف المريض النفسى أنه مريض، ولا يعترف الممثل بالمسافة بين التمثيل والواقع، ومن هنا تنبع صعوبة العلاج، ولهذا تستمر مسرحة السياسة رغم انعدام كفاءة الممثلين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نشر بالمصري اليوم

http://www.almasryalyoum.com/news/details/837197