نفيسة حبي أنا

بداية ونهاية

أحببتك يا نفيسة قبل أن أعرف نجيب محفوظ، آلمني مصيرك  وأنا بعد صبي، كنت أتأمل حدبتك ووجهك الأقرب إلى الدمامة، وأتمنى لو كنتِ أجمل ولو قليلاً، وكنت أتمنى لو كان بيدي عقاب ذلك الكاذب الذي أوهمك بالحب ووعدك بالزواج، أتمنى لو أترافع عنك؛ لكن شيئًا لم يكن بيدي، كان عليّ أن أتابع مصيرك عاجزًا عن تغييره أو مد يد العون إليك. بكيتك، وكنت أول من أبكيهم من الموتى، إذ ترفق بي الموت وتأخرت زياراته، لم أعرفه في عائلتي إلا سنوات من مشاركتي في تشييعك داخل كتاب مجهول.

كانت الكتب شحيحة في قريتي، وكنت أقرأ ما يقع بين يدي؛ ليس هناك ترف التدرج من قراءات الأطفال إلى قراءات الكبار. وكان أن وقعت في يدي رواية تحكي عن أسرة فقدت عائلها وبدأت تواجه الحياة عارية من أي سند: الأم، الابن الأكبر حسن، الابنة نفيسة، والتوأم حسين وحسنين. وقد عرفت بعد سنوات طويلة أن هذه الرواية، المأساة لم تكن سوى “بداية ونهاية” لنجيب محفوظ.

بموت الأب صار دخل الأسرة خمسة جنيهات بدلاً من سبعة عشر. وهذا الفارق بين المرتب والمعاش، الذي يزلزل حياة الأسرة سواء مات العائل أو تقاعد لم يزل معاناة الموظف المصري للأسف. كان من شأن “بداية ونهاية” أن تقود ثورة في نظام المعاشات في مصر، بينما هناك روايات ساهمت في تفجير ثورات سياسية في ثقافات أخرى،  وهذا دليل على المكانة المتدنية للأدب في حياتنا.

بعد صدمة الوفاة التي تبدأ بها الرواية، ندخل في تفاصيل حياة الأبناء: الكبير شارد وغير مسئول، والشقيقان الآخران طالبان في المرحلة الثانوية، والابنة أخرجها والدها من التعليم كسلوك معظم الأسر في تلك الفترة.

لم يكن أمام الأم إلا أن تطلب من الجارات أجرًا لنفيسة نظير ما تخيطه لهن من ثياب، بينما كانت تتخذ من مهارتها في الخياطة هواية في حياة الأب، وكانت تقدمها للجارات مجاملة. هذا التحول كان خطوة جبارة في حياة نفسية تقبلتها بألم: “ليس بين الكرامة والضعة إلا كلمة” والغريب أن من تألمت على طلب أجر عن حرفة عادية ومشروعة، هي نفسها التي تقبلت فيما بعد تلقي الأجر عن جسدها. وهذه هي قسوة الاعتياد القاتل للروح.

وعلى الرغم من التصوير الممتاز لكل الشخصيات، إلا أن القراءة المتأملة تقودنا إلى التأكد من أن “نفيسة” كانت أحب شخصيات الرواية إلى نفس نجيب محفوظ، فهو لم يمنحها روحه فحسب، بل منحها عقله كذلك؛ فلم يضع المقولات التي تبدو صوت الكاتب على لسان أي من الأشقاء الثلاثة ولا على لسان الأم.

رغم حرمان نفيسة  من التعليم إلا أن المقولات الحكيمة والجميلة الصياغة أيضًا التي تصلح كمقتبسات وحكم للحياة ترد على لسانها أو تعبر ذهنها؛ فنقرأ تفكيرها الموجع في حال الأسرة: “إن التعاسة تنفذ في لحمنا كما تنفذ هذه الإبرة في قطعة القماش” ونرى تأملها اللمّاح والعميق للمرآة وهي تهتز في يدي حاملها، عندما اضطروا لتغيير شقة الطابق الثالث بشقة الأرضي المظلمة من أجل توفير خمسين قرشأ في الإيجار. ترى اهتزاز حالهم في اهتزاز الصور بالمرآة، ثم تتذكر أباها:” “ينبغي أن تكون المرآة آخر ما حزن عليه. لن تعكس لي وجهًا أسر به” ويأخذها التداعي الحر إلى تذكر  مقولته التي يعزيها بها على دمامتها: ” الخفة أنفس من الجمال” ثم تخاطبه: “هذا قولك يا أبي وحدك ولولاي لما قلته أبدًا”.

تقدر أن أباها كان يجاملها وأنها أصبحت بعده بلا شيء: “لا جمال ولا مال ولا أب” وهكذا استسلمة لحال من العدمية كريشة في مهب الريح؛ حيث اختارت لها الأم التضحية بالانخراط في العمل للمساهمة في إعالة الأسرة، واختار لها حسنين الموت الفاجع، فأبكاني عليها وحدها، رغم أنه تخلص من حياته كذلك. وقد عاشت نفيسة في روحي طويلاً، وعنها تلقيت الكثير من آرائي في المرأة ومن الظلم الاجتماعي والكثير من الخيارات؛ فالبكاء في الصغر كالنقش على الحجر حقًا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ