وليد خازندار إن نشر

“جهات هذه المدينة” ديوان جديد لوليد خازندار. هو خبري السعيد  لهذا العام. فالشاعر يقاطع النشر منذ صدور  ديوانه الثالث “غرف طائشة” عام 1996،  رغم أن المقربين منه يعرفون أن علاقته بفعل الكتابة يومية.

يعرف وليد كيف يُشكِّل الصورة، كيف يمزج الفكرة بالعاطفة. لا يتقيد بالأوزان وإنما بروح الموسيقى الخفية التي تسري في نصه سريان الدم في العروق. يكتب وليد التجربة بعد أن يصفيها من ابتذال الواقع، هذه المهمة هي الأصعب على الشاعر العربي، وأكثر صعوبة عندما يكون هذا العربي فلسطينيًا، وإنها لبطولة كبرى أن يتمكن الشاعر الفلسطيني من مقاومة رخاوة العاطفة، في ظل القتل اليومي.  وقد استبسل وليد في الدفاع عن شعرية الشعر. ليس في قاموسه كلمة شهيد، لكن الشهيد حاضر في قصائده، ليس في دواوينه السابقة إشارة إلى مكان، لكن المكان الفلسطيني حاضر دائمًا، وليس في ديوانه الجديد يشير إلى غزة بكلمة واحدة، لكنه صنع من حياتها معجزة؛ من حياتها، على الرغم من حضور الموت الذي لم يسمح له الشاعر بالطغيان.

بالنسبة لي كل هذا جميل، لكنني أتلقف قصيدة خازندار باعتبارها تمرينًا على اللغة، وأخرج منها بإيمان عميق بلغتنا العربية، متيقنًا من قدرتها على التجدد. لوليد خازندار منطقه اللغوي الذي لم يتقترب منه النقد إلى الآن. يكسر الكثير من القواعد في الحذف وفي ترتيب كلمات الجملة وعلاقة الكلمة بأختها. يحتفي بالصمت في واقع صاخب، متيقنًا أن “في النبر مالا يقال”.

أنشر هنا المقاطع الأربعة الأولى من القصيدة الديوان “جهات هذه المدينة”:

في النبر مالا يُقال، شعر وليد خازندار، لوحة منير الشعراني.
في النبر مالا يُقال، شعر وليد خازندار، لوحة منير الشعراني.

وليد خازندار

جهات هذه المدينة

 

 

غزة ـ

النهار معجزة يوميّة

العشيّة أن يقاوم الجمال وينتصر

1

لكِ دارٌ صغيرةٌ هُنا. تلتفتين إليها، تعرفين الزمان. فجرٌ يستعيدُكِ من مكائدِ الليل. تستعيدُ أشرعةٌ ألوانَها وراياتٌ. هواءٌ باردٌ يأخذُ جسمَكِ كلَّهُ والموجُ ساكت. طيورٌ بيضاءُ من الأفقِ الذي لا ترينهُ. البحرُ غامقٌ مثلُ السماء.

بريقٌ معتمٌ على الأصدافِ يكملُ أحلامَكِ. لكِ شرفةٌ ملكيَّةٌ، لكن الزمانَ كثيفٌ ولا ترينها. حرَسٌ، مراكبُ محجوبةٌ عن العيونِ، لكنكِ لا تريدين أن تغادري. صخرةٌ تلجأُ الطيورُ إليها تذهبين كُلَّ فجر.

الرملُ باردٌ وطريٌّ ويهتدي إلى شكلِ خطوِكِ. يرسمُهُ في ترنُّحٍ خفيفٍ، ربَّما من كثرةِ التفاتِكِ إلى البحر.

تريدين الآن أن تلقي بجسمكِ إلى الماءِ العاري، أن تكون ثيابُكِ مرميَّةً على الرملِ آنذاك.

تلزمُ غيمةٌ تدنو وتحجبُكِ. قد يراكِ الحرسُ الملكيُّ ويُغضي. النوافذُ التي سهرتْ، النوافذُ التي الآن تصحو، النورُ الأبيضُ قبل الشمسِ من خلف المنازل؛ كُلُّ ما ترينهُ يراكِ.

الصيّادون قبل الغِناء. يجهِّزون شباكَهم في ضبابٍ خفيفٍ كأنهم يحلمون. ينادونكِ إن ابتعدتِ عن عيونِهم، أو عندما تقتربُ الطائرات.

 

2

 

بَحّارةٌ في الأصلِ

أُغلقَ البحرُ دونهم والصحراءُ خُتِمتْ عليهم

ليس غيرُ شِباكٍ يرتقونها، مراكبَ لا تبتعد.

مكشوفةٌ تمتماتُهم.

ليست عن الوَحشةِ

قِلَّةِ الأرضِ

أو كثرةِ الحواجزِ

بل عن المواسمِ التي لا ترجعُ في كلامِها.

سماؤهم مسيَّجةٌ بخطوطٍ بيضاءَ في تقاطعٍ

قفصٌ دون الجهات.

لهم خبرةٌ بالموج.

يعرفون عن اللجَّةِ أبعدَ مما يرون.

في خيالِهم شواطئُ يسرفون إليها

قمرٌ يجذبُ الماءَ

يأخذُ قلوبَهم إلى مقاصدِها.

أفكارُهم موصولةٌ بأشرعةٍ

ينعطفُ المَدُّ كُلَّما انعطفتْ إليه.

لا يُطْرِقون، لا يُؤخذُ من يقينِهم

إلّا إذا استبدَّتْ بهم الأغاني.

أغلبُ معانيهم في الغرام ـ

مقامُ الصخرةِ

قالبُ الموجةِ التي تنكسر.

3

يصحو من ذهابِكِ. النعومةُ أكثرُ ما يوقظُ في مدينةٍ كهذهِ، فضاؤها طاسةُ رجَّةٍ مقلوبةٌ عليها. ما إن يبدو لها نهارٌ قويٌّ حتى تغيرُ عليهِ الطائرات. ترتفعُ المنازلُ التي انقصفَتْ أعمارُها. ترتجُّ المنازلُ القريبةُ. المنازلُ البعيدةُ تشرئبُّ وتصغي.

تتسحَّبين في خِفَّةٍ من جوارِهِ. تكون شمالُكِ على صدرِهِ ويمينُهُ عليكِ. تشُقّين ستارةَ البحرِ، مراكبُ خطفٍ في انتظارِكِ. رشاشُ الماءِ في الحمّامِ، غناؤكِ الخفيضُ، صمتُكِ بين المقاطع. سقوطُ الصابونةِ من يديكِ.

بلادٌ يصعبُ الوصولُ إليها تأتي من قهوتِكِ المغليَّة. قد تكون من هُنا عثرةُ فنجانِكِ على صحنِهِ كُلَّ فجر. رشفُكِ في سُرعةٍ، همسُكِ بينما تلبسين. كما لو تطلبين من وصيفاتٍ ألّا تعلو أصواتُهنَّ كي لا يصحو.

عطرُكِ أجنحةٌ خفيفةٌ والجهاتُ لا يأتي منها أحد. ليس إلّا حرّاقاتٌ سوداءُ تنظرُ إلى الشاطئ. سرابٌ يندفعُ من الصحراء.  قد يكونُ من هُنا وسواسُ حيرتِكِ بين الخواتِم. تعثُّرُ أصابعِكِ على إبزيمِ الصندل. بحثُكِ الطويلُ عن المفتاحِ، في قِلَّةِ صبرٍ، قبل أن تغادري. كأنَّ حرساً يتململُ.

هواءٌ باردٌ حين تفتحين الباب. تغلقينهُ في جذبتين خفيضتين. تتأكَّدين منهُ كأنكِ لن تعودي.

 

4

البحر. جهمٌ تتقطَّبُ على وجهِهِ خطوطٌ متعرِّجَةٌ تتلاحقُ في ريثٍ إلى الشاطئ. المراكبُ الصغيرةُ الزرقاءُ تعلو هادئةً براياتِها وتنخفض. رماديَّةٌ هي الآنَ، في الضبابِ الخفيفِ، كأنها تحلم.

عصفورٌ من الشجرةِ الأقربِ إلى الملح. خفيضٌ ويجرحُ الكون. تغريداتٌ طويلةٌ مُلِحَّةٌ. يصمتُ ثم يستأنف. في بسالةِ نبرِهِ، في احتجابِهِ بين الأوراقِ ما تفهمين.

الصيّادون في شِباكِهم، ينظرون إلى السماء. أولادُهم وبناتُهم يتعلمون الفجرَ قبل المدارس. يرفعون عيونَهم إلى الطيورِ تبتعدُ وتدنو، تتجمَّعُ ثُمَّ تفترق. صوتُ طائرةٍ تقترب.

تريدين أن ترفعي إصبعاً بذيئةً إلى الفضاء. تلزمُ غيمةٌ تدنو وتحجبُكِ. النجمُ الذي تأخَّرَ، النورُ على الماءِ مستنداً إلى الضبابِ في خِفَّةٍ من جهةِ المنازلِ، الصيّادون، أولادُهم وبناتُهم إن التفتوا؛ كُلُّ ما ترينهُ يراكِ.

الطيورُ تهوي ثُمَّ ترتفع. أصواتُها ناشفةٌ تزيدُ الفضاءَ جهامةً. الهواءُ مالحٌ يأخذُ جسمَكِ كُلَّهُ ثانيةً والحرسُ الملكيُّ ساكت. بعدَ صحوٍ أكثرَ يختفي، يمرُّ بِهِ الزمان.