السردين..ثلاث طرق لكلمة “أحبك”

سردين

أكتب إليك في هذه الساعة المبكرة، وقد استيقظت سعيدًا وسيدًا لوقتي كعصفور. أحبك أكثر من أي وقت مضى. ولن أنشغل اليوم إلا بك. لا عمل، لا كتابة، لا تليفونات. فقط أنت وكلمة وحيدة سأقولها لك بثلاث طرق مختلفة. ومع كل الاحترام لتعريفات الحب الكثيرة التي وضعها فلاسفة بدم بارد، ومع الاحترام للورود ولكل المبادرات الرومانسية في الأفلام، فالحب عندي في هذه اللحظة هو وجبة سردين، سردين فقط ولا شيء معه، وسأعده لك بثلاث طرق مختلفة. وسأترك لك ابتكار طرقك الخاصة في وقت آخر، إن أعجبك هذا اللون من الحب.

اعذريني لأنني لم أسألك عن شعورك الآن؟ أعني في هذه اللحظة التي انتهت فيها فترة الصمت؛ المهلة التي تراضينا عليها لاختبار مشاعرنا: سبعة أيام وسبع ساعات. لن أحدثك عن الفراغ الذي شعرت به في غيابك.  لكنني سأقول لك كم أنت قريبة، وستتعرفين على مقعدك في قلبي عندما تتذوقين سردين حبنا، وسأعرف مدى حبك لي إن جعلتك تغيرين موقفك من السمك، لا تلك الأنواع التي تواضع الناس على كونها نبيلة انطلاقًا من سعرها، بل من السردين، وهو ليس من الأسماك النبيلة  في رأي الكثير من البشر الذين يتبعون قواعد الوجاهة الاجتماعية عند اختيار الأسماك أكثر مما يتبعون ذوق ألسنتهم،   لكنه في الحقيقة سمك نبيل، ولا يحتاج إعداده سوى اليد المحبة، ولن تجدي يدًا تحبك كما أحبتك يداي، ولأنني لا أومن بالحب من طرف واحد فسأرى إلى أي حد ستقبلين على سمكة خاملة الذكر لمجرد أنها من صنع يديّ. السمكة التي لن تجديها في المطاعم الفخمة، ولن تجديها حتى على مائدة في فيلم، وهذا دليل أول على غرامي بك.

الحياة داخل علبة السردين ـ عمل ناتالي ألوني
الحياة داخل علبة السردين ـ عمل ناتالي ألوني

لا أتذكر أبطال رواية تناولوا السردين، على الرغم من وفرته في المناطق التي تتمتع بالغزارة الروائية. أتذكر فقط أن جون شتاينبك وضعه في عنوان إحدى رواياته؛ ورغم ذلك فـ “شارع السردين المُعلب” ليست رواية عن السردين، بل عن البؤس.

بعيدًا عن الرواية؛ فالسردين المُعلب عنوان حياة الشظف، يصفون اختناق مسكن بسكانه أو حافلة بركابها بـ “علبة السردين”. ذكر علبة السردين للتعبير عن الإحساس بالضيق يبدو عابرًا للثقافات؛ فقد استلهمته الفنانة الإيطالية ناتالي ألوني في معرض مشغولات تصور الحياة اليومية في علبة سردين.

والسردين المعلب هو عماد الغذاء في أوقات الحصار، وهو أبرز ما تضمه وجبة”التعيين الجاف” التي يحملها الجندي المحارب في مخلاته مع الذخيرة، هل يعرف مشعلو الحروب فضائل السردين، أم يضنون بالأسماك الغالية على الجنود الذين يرسلون بهم إلى الردى؟!

المحاصرون يختارون السردين طواعية كذلك؛ وقد أسبغ محمود درويش على علبة السردين صفتي التقشف والخطورة في قصيدته مديح الظل العالي: “نفتح علبة السردين، تقصفها المدافع”.

لم تستدع علبة السردين قصف المدافع، ولن يكون العالم أكثر سلامًا بدون هذه السمكة الرقيقة التي تعشق الدفء وتأنف التلوث. العكس هو الصحيح؛ فالسردين لا السلمون رفيق الأوقات الصعبة بسبب فضائله الجمة، لكنه رفيق أوقات المرح الخالي من التكلف كذلك، فهو الوجبة المعتمدة للمصطافين على الشواطيء المغربية. وهو في كل الأحوال  من أغنى الأسماك بالفيتامينات، وخصوصًا زيت “أوميجا3” المسئول عن الذاكرة. وهذه الميزة وحدها تكفي لكي أقنعك بمشاركتي حبه؛ فهو الذي بوسعه أن يحفظ ذاكرتينا ويجعل أحدنا قادرًا على تذكر الآخر. لن يرضيك أن أجلس على كرسيي الهزاز عندما أتقدم بالعمر وأهذي بأسماء ليست لك، ولن أرضى بأن تناديني بأسماء عشاقك السابقين.

تعرفين أنني دخلت الدنيا على طمع، وآمل في عمر مديد بذاكرة سليمة، ولن أكون جديرًا بحبك إذا لم أقنعك بالعيش حتى تشيخين.

كل هذه الأسباب العقلية لا تعني لي شيئًا، وليست هي التي سدفعتني اليوم لشراء السردين، بل السبب الذي نبع من القلب؛ فقد أحسست كم أنت قريبة، وكم تهاوت الحواجز التي تجعلني أختار بصحبتك الأسماك المدعية غالية الثمن، وعلاوة على ذلك فقد حلمت بك وبه الليلة، وقمت سعيدًا ومشتاقًا إليك، وأريده أن يجلل لقاءنا.

كنا نستحم قرب شاطيء لم أعرف أين هو، كنا نتراش بالماء عندما رأينا وهج الشمس ينعكس من الماء، تأملت فإذا به أسراب من السمكة الفضية الناعمة تتجه إلينا في تشكيلات لطيفة، كانت ارتعاشات أجسادها وتشكلات تكويناتها كأنها تحيينا. يقول ابن سيرين إن سمك الأحلام في الماء الكدر غم، وفي الماء الصافي رزق، ومن أصاب سمكة أو اثنتين أصاب امرأة أو امرأتين. وقد كان الماء في حلمي صافيًا، وقد حوله السردين إلى بحر من الزئبق، وكنت أحتضنك أنت رزقي وأنت كل النساء. وسأنتظرك بالسردين، كلمة الحب الخجول، وسأهمس بها لك بثلاث طرق.

سأقولها لك مقلية في بستان من السلطة:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

متبلاً بثوم مفروم مع ملح وفلفل أخضر حار وليمون. خمس دقائق ستكون كافية لهذا السمك الرقيق، وسأقلبه في الدقيق وأقليه على درجة حرارة عالية حتى يتقرمش، ثم أُقطّع السمكات وأقلبها مع السلطة الخضراء التي تحبينها.

وسأقولها في صينية بالفرن:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

دوائر بصل رقيقة، عود مفروم من الكرفس وعودين من إكليل الجبل، وفوق هذا الفراش الوثير ستنام السمكات متوسطة الحجم، تتراص كما يتراص النائمون في الشقق المزدحمة وبينها سأدس قرن فلفل حار، وفوقها غطاء مماثل من خامة الفراش نفسها، وفوق كل هذا رشة ملح وفلفل أسود وزيت زيتون وعصير ليمونتين، سأغلف الصينية وأدخلها إلى الفرن عشر دقائق ومثلها بعد نزع غطاء الألمونيوم. وستصلك كلمة أحبك على كنبة حبنا، ستسمعينها قوية في الرائحة التي ستملأ الفراغ بيننا.

تريدينها بصوت عال، يسمعه سابع جار؟

سأقولها مشوية إذًا:

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

أحبك، سيحملها الدخان الذكي لشواء السردين. غير العارفين بالحب لا يفكرون إلا باللحم عند الحديث عن الشواء، بينما الحب الحقيقي الخالي من الزخرف هو شواء السردين. لا يقتطع من وقت العاشق حتى دقائق تخليص السمك من قشوره الفضية. فقط الغسيل بالماء، وإشعال الفحم، وتقليب السردين في الملح الحصى، ووضعه فوق شبكة الشي.

في هذه الطريقة يبدو نبل السمكة المستغنية برائحة طزاجتها عن كل بهارات الدنيا. السمكة الحكيمة تعرف المقدار الذي تحتاجه من الملح فيتسلل إلى داخلها، أما بقية الملح فتطرقع على النار لتحمي حبنا من عين الحسود.