زهور سامة (2) «تحويد العروسة» القصة كما يرويها الزميل جيجيك

أيد الإعلام الغربي الثورتين التونسية والمصرية وعندما رأى مطلب العدالة الاجتماعية ظهر عدم الارتياح أما السلطة في الغرب فقد كانت غير مستريحة من البداية.
أيد الإعلام الغربي الثورتين التونسية والمصرية وعندما رأى مطلب العدالة الاجتماعية ظهر عدم الارتياح أما السلطة في الغرب فقد كانت غير مستريحة من البداية.

بعد صعود الإخوان إلى عرش مصر، تأملت فى أحد مقالاتى بهذه الصفحة عملية خطف الربيع العربى وتحويده عن مساره، من خلال التشابه بين قصتنا الحزينة وقصة «تحويد العروسة» للعبقرى يوسف إدريس. تحكى القصة الإدريسية عن موكب عرس يتحرك من قرية إلى قرية ويمر الطريق بقرية ثالثة بينهما، يقوم أهل القرية بدعوة الموكب للتوقف وتلقى واجب الضيافة، وعندما يرفض أصحاب العرس الدعوة يتطور الجدال إلى معركة!

من جانبه يقدم السلوفينى جيجيك فى كتابه «سنة الأحلام الخطيرة» وصفًا آخر لمشهد تحويد العرس العربى. يأتى جيجيك على ذكر الحلف الذى تأسس سريعًا بين الإسلاميين وقوة مبارك الضاربة لحفر قبر الثورة المصرية. وبالتوازى مع الحلف المحلى يشرح المساهمة الغربية فى تشييع الجثمان، متتبعًا ردود الفعل من بداية ترحيب الإعلام وارتباك السلطات الغربية حيال ما جرى، ثم وضوح الرؤية، ثم التصرف على أساس أن «الشيطان الذى نعرفه أفضل من القوى التحررية». هكذا سيظهر مبارك بأثر رجعى على أنه الأقل شرًا.

ما حدث من تسويات فى الداخل نعرفه، لكن من المفيد أن نقرأ تحليل جيجيك لتحولات الغرب تجاه الربيع العربى. فى البداية احتفى الإعلام الغربى بثورتى مصر وتونس، كامتداد لثورات أوروبا الشرقية «الداعمة للديمقراطية» أى باعتبارهما تعبيرًا عن رغبة المصريين والتونسيين فى أن يصيروا مثل الغرب. وعندما بدا واضحًا أن هناك بعدًا آخر للثورتين هو «تحقيق العدالة الاجتماعية» ظهر عدم الارتياح فى الإعلام الغربى، أما السلطة السياسية فى الغرب فكانت غير مستريحة منذ البداية. ويعتبر جيجيك أن تصريح تونى بلير الذى نقلته CNN أكثر ردود الفعل انتهازية وعارًا: «التغيير ضرورى، ولكن يجب أن يكون تغييرًا مستقرًا»، ثم توالت التصريحات الغربية التى تكرر عبارة «قلقون للغاية». نفاق الليبراليين الغربيين كان لاهثًا مفضوحًا، يقول جيجيك: «إنهم يعلنون دعمهم لانتشار الديمقراطية عبر العالم، ولكن الآن، وبينما يثور الناس ضد الطاغية باسم الديمقراطية والعدالة وليس باسم الدين، فإنهم قلقون!».

بعد القلق المعمم، سيأتى المطلب الغربى العام: «التغيير الشرعى» ويتساءل: هل كان الوضع شرعيًا قبل ٢٥ يناير لنتحدث عن انتقال شرعى؟!

 

الترجمة الوحيدة لهذا المطلب هى التضحية بفرد وإعادة ترميم نظام، وإن كان عبر طرق التفافية وأثمان باهظة، تُرفع فيها لافتة الحرب ضد الإرهاب. قام التحالف بقصف القذافى باعتباره الشيطان الداعم للإرهاب، ثم أخليت الساحة للحرب الأهلية الليبية التى كانت حالة واضحة لإعادة التوجيه، تكررت فى كل مكان.

 

نجاح آخر تحرزه الرأسمالية العالمية التى تمكنت من إعادة توجيه سلسلة كاملة من الانفجارات الشعبية خلال العقود الماضية من جنوب أفريقيا إلى الفلبين. وبتأمل عنف التنويعات الأخيرة للأصولية الإسلامية، يستدعى جيجيك قول فالتر بنيامين: «كل صعود للفاشية يشهد على ثورة فاشلة». ويقول إن صعود الفاشية الدينية هو دليل قوى على فشل اليسار، وهو فى الوقت ذاته دليل فورى على وجود ثورة كامنة.

 

«هذا يحيلنا على الدرس الحقيقى والمشؤوم للثورتين التونسية والمصرية: إن استمرت القوى الليبرالية المعتدلة فى تجاهل اليسار الراديكالى، فسوف تولِّد مدًا أصوليًا لا يُقهر». والخاسرون سيكونون الليبراليين المدعومين من الغرب. وما يعقد الأمور هو الانهيار المتسارع للوضع الاقتصادى الذى سيدفع ملايين الفقراء إلى الشوارع آجلاً أم عاجلاً، وهذا يطرح السؤال الصعب: من الذى سيوجه غضب هؤلاء ويحوله إلى برنامج سياسى؟ اليسار العلمانى الجديد أم الإسلاميون؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نشر في “المصري اليوم” بتاريخ 14/7/2015