عطور للغواية والهداية..هل هناك رائحة واحدة للعذرية؟

فريدا كالو
فريدا كالو

في البدء كانت الرائحة، ومن دونها ما كان للحياة أن تستمر، حيث لا يمكن لفعل الإخصاب أن يتم في النباتات ـ باستثناء الخنثى ـ دون إغواء عطر زهورها الذي يوقع بالحشرات فتقوم في غفلة تامة منها بدور رسول الغرام بين الطلع والمتاع. وليست لدينا معلومات كثيرة عن عمل الرائحة في جماع الحشرات الدنيا وكثير من الحيوانات، إلا أننا نعرف أن الرائحة هي أساس الملك في عالم النحل: من الرائحة تكسب الشغالات عيش الجماعة، وبالرائحة تقود الملكةُ المنذورةُ للذةِ الذكورَ إلى حتفهم، وبالرائحة تعود النحلة الضالة إلى سربها دون غيره وإلى خليتها في آخر النهار. ويتشابه التنظيم الطبقي للنحل مع تنظيم مستعمرات النمل التي يلزم أفرادها طبقتهم بشكل أساسي من خلال حاسة الشم الموجودة على قرون استشعار، تنهض إلى جانب ذلك بمهام اللمس والتذوق والسمع.

جورجيا أو كييف
جورجيا أو كييف

 الحمار وجد التعويض المناسب عن فارق الجمال مع الحصان وفارق الذكاء مع الجمل بقوة إدراك غير عادية للرائحة، فهو يستطيع أن يميز من بين رشاش الماء على الطريق رائحة بول الأنثى المهيأة للتناسل، فيقلب ما فوقه ويدفع بإذًايه إلى الأمام ويطير لا تكاد حوافره تمس الأرض وقد انتصب غرموله المهول يتقافز متابعا لطم بطنه، مثل سيف في يد محارب شجاع يطلب النـزال. وقد أتاحت هذه الحفاوة الحميرية بالرائحة للشيخ النفزاوي صاحب الروض العاطر التقول على حمار تحايلت عليه زوجة الحمال المجهد وأقامت معه علاقة؛ حيث كانت تدهن جسدها برائحة بول الحمار وبعره بعد خلطهما!

و ينسب الشيخ نفسه للأسد قدرات شم مفرطة ومخيفة:”وقيل أن الأسد أعرف خلق الله وأعيفهم (أي أكثرهم قدرة على التكهن)بأمور النكاح، إذا اجتمع باللبؤة، فينظر لها قبل الاجتماع بها، فيفهم أنها أتته منكوحة، فيشم رائحتها. فإن كان نكحها حلوف يشم رائحته عليها، وقيل يشم ماءه، فيسخط ويدفع يمينا وشمالا، فكل من لاقاه في طريقه قتله لا محالة، ثم يأتي فتفهم عليه أنه عرف ما عملت فتخاف على نفسها منه فتقف له، فيأتي لها ثم يشمها ثانيا ويزأر زأرة واحدة تزعزع منها الجبال، ثم ينثني عليها ويضربها بكفه فيقطع ظهرها “.

 ولأنه لم تتسن لنا رؤية أسد خارج أقفاص الأسر المذلة في حدائق الحيوان؛ فإننا لا نستطيع أن نستوثق من مزاعم الشيخ حول قدرة الأسد على معرفة إن كانت اللبؤة قد أتته منكوحة أم لا، مثلما لا تسمح قوانين منع الاختلاط بين الفصائل المختلفة في تلك الحدائق من التحقق من زعمه الأغرب بإمكانية إقامة اللبؤة علاقة مع خنزير، إلا أن تكون خطيئة أولى للبؤة الأم أورثت الأسود شراسة الانتقام إلى اليوم!

 ولسنا بحاجة إلى تعريض أنفسنا للخطر، يمكننا التحقق من أثر الرائحة بمراقبة الحيوانات الأقل خطرًا من الأسد.  وعلى سبيل المثال فرائحة الكلبة الطالبة للوصال تتسبب في مجزرة تنتهي بفضيحة التسافد مع الأقوى على قارعة الطريق، بينما يمكن للتيس أن ينطح جبلا يشم خلفه رائحة معزي.

 

ويبدو أن الحيوان كلما ارتقى قلت قدرته على إدراك الرائحة بفعل عمل الحواس الأخرى التي تقتطع من حاسة الشم، حتى يصل الأمر إلى الإنسان، أقل الحيوانات إدراكا للرائحة وأكثرها وعيا بأهميتها. لا تخلو أشعار الحب الفرعونية والآشورية من وصف عطر الحبيب، ولا يأتي ذكر للشراشف والأسِرّة دون التأكيد على أنها معطرة، كما أن كتاب الجنس المقدس عند الهندوس الكاماسوترا يعتبر أن شرط الحياة المدنية (أي أن يكون الرجل منتميا إلى هندوستان ) هو أن يمتلك بيتا قريبا من الماء يضم غرفة خارجية معطرة، بها سرير ناعم وممتع للنظر وكنبة ومنضدة توضع عليها أصناف الطيب للاستخدام الليلي.

 

ولم تغفل شهرزاد التي كانت تروي تحت حد السيف قوة إغواء الروائح، ولكنها كانت تُجْمِلُ الورد والفاكهة في لفظ المشمومات ( وهي بالمناسبة قوام قرابين الفراعنة ) ربما قادها إلى الاختصار خوفها بشأن الإيقاع، لأن ارتخاء وتر الحكاية كان يعني ببساطة موتها. لكنها استطاعت التفصيل في حكاية الحمال والثلاث بنات عندما دارت بإحداهن في السوق وخلفها الحمال يرفع على رأسه قفص اللذة الذي ضم “اللحم الملفوف في ورق الموز والُنقل والقطائف بالمسك وأقراص الليمونية والحلاوة والمشبك ولقيمات القاضي مع المشمومات  وعشرة مياه ورد وماء زهر ومرش ماء الزهر وحصى لبان ذكر وعود وعنبر ومسك وشمع اسكندراني” وقد تم استدراج الحمال بحمولته تلك إلى وكر اللذة والعجائب دون أن يمسسه سوء، فلم تكن رحلة سيئة أبدًا للحمال الجائع ولمستمعي الحكاية المجهولين.

 

وعلى أهمية العطر في الحياة الحسية للبشر، فإنه لم يتحول إلى هدف أعلى وأوحد للحياة سوى مرة واحدة في التاريخ لدى جرونوي بطل رواية باتريك زوسكيند “العطر” وقد نوهت الكاتبة إيزابيل الليندي في كتابها أفروديت بذلك السعي الإجرامي لدى جرونوي الذي كان يتتبع العذارى ويخنقهن لاستخلاص العطر، ولكنها لم تلمس الأساس الوجودي لهذا الجنون، فجرنوي ـ ابن الزنا الذي ألقت به أمه وسط النتانة في سوق السمك ليتربى غريبًا ـ لم تكن مشكلته الوجودية أنه بلا أصل، بل أنه بلا رائحة تميزه. وكان هذا يساوي عنده العدم، وقد شاء أن يحيا حتى لو أمات العذراوات جميعا.

ورغم أن زوسكيند ذكر في روايته المعجزة تفاصيل دقيقة عن صناعة العطور والنسب المختلفة للروائح الخام في كل عطر، إلا أنه لم يوضح لماذا كان جرونوي يتتبع النساء، والعذراوات تحديدًا دون غيرهن، ولا كنه ذلك العطر الذي يشمه في الأجساد الفتية فيغيب عن الوعي ويسير مستلبًا وراء الفتاة لا يستريح إلا إذا سلبها خلاصة روحها. ولا يمكن أن يكون قد قصد ترك هذه المساحة من الإبهام لخيال القارىء، وإلا لكان فعلها مع بعض العطور الأخرى. والأرجح أنه لم يتمكن من التوصل إلى الوصف المقنع لأن ذلك كان يتطلب أن يتحول من مؤلف إلى مجرم، ويفعل بنفسه ما ادعاه على جرونوي، لكن حدسه بتميز روائح العذارى كان سليما على أية حال، ويبدو أن هذا هوالسر الأعمق للعذرية وقيمتها التي نسبها الناس فيما بعد دون تبصر إلى غشاء البكارة.

قد تكون رائحة البكارة هذه هي التي جعلت الهندوس يعتبرون الزواج من غير العذراء انحطاطا يوجب التوبيخ. وبسبب الحنين إلى تلك الرائحة يفقد الكثير من الرجال وقارهم في السن المتقدمة، عندما يسيطر عليهم هاجس استعادتها دون تبصر يجعل بعضهم يبحثون عنها في الأجساد الخطأ، فيدخلون في علاقات متعددة مع ثيِّبات دون أن يعثروا على ضالتهم، بينما يعرف بعضهم هدفه الصحيح ويتوجه إليه مباشرة؛ فيسعى إلى علاقة غير متكافئة مع فتاة في عمر أحفاده.

 

عندما تهيج عليّ رائحة العذرية التي لا تزال تعشش في انفي منذ صباي أغتبط. وأفكر أنني إذا امتد بي العمر سأكون محظوظا مرتين: مرة لأنني سأعيش طويلا (في حياة أحبها لا لجمالها ولكن لأنني أنتظر منها الأفضل دائما ) ومرة لأنني أتوقع سلامًا لا تنغصه ذكريات الرائحة التي تدفع بعض الشيوخ لابتذال أنفسهم فيما يعرفه علم النفس بـ ” المراهقة المتأخرة ”  فالرائحة التي تعاودني دائما تتطابق مع الرائحة العطرية لخشب كوز الطلح الأخضر، الذي يغلف عرجون لقاح ذكر النخل، وهو ما أتوقع أن يظل متاحًا لوقت شيخوختي.

كل الأجساد تمتلك روائحها الخام، لكن هل هناك رائحة واحدة للعذرية؟ أميَّل إلى رحمة ماركيز لا تشدد زوسكيند،  حيث احتفى صاحب مائة عام من العزلة برائحة “الشباب ” على إطلاقها دون التقيد بشرط العذرية الذي قد لا يتيسر دائما؛ كان الروائي الأشهر يقدم الطبعة الكولومبية للرواية الأكثر فتنة الجميلات النائمات، وقد أراد فيما يبدو أن يأخذ لنفسه لقطة تذكارية بجوارها؛ فحكى في مقدمته كيف جاورته في رحلة من باريس إلى نيويورك جميلة شرقية تناولت المنوم وأفقدته سلامه، لكن صمت الموت الذي لزمته طوال الرحلة منحه فرصة تلمس رائحتها:”لم تكن متعطرة؛بل كان يفوح منها لهاث لا يمكن أن يكون شيئًا آخر سوى الرائحة الطبيعية لشبابها”.

 

 قد تختلف رائحة الجسد الواحد باختلاف المناخ ونوع الطعام. ومن بين المزايا العديدة للمرأة على الرجل أنها أكثر منه إدراكا لرائحة الجسد، فـ “تريزا” بطلة ميلان كونديرا المخدوعة في زوجها استقبلته ذات ليلة وأقبلت على رأسه تتشممها ثم سقطت في صمتها، فسألها بارتباك عن الأمر فقالت ببساطة: رائحتك فرج!

والمرأة أكثر نبلا في تقديرها لرائحة المخلص من الرجال، فهي تدوخ من عرق من تحب مهما كان نفاذًا، بينما يتمتع الرجل العاشق بتسامح أقل مع عرق المرأة، ولذلك فإن إنفاق المرأة على العطور أضعاف ما ينفقه الرجل لا يعود إلى سوء تدبير منها؛ بل إلى سوء تقدير الرجال لرائحة الجسد الطبيعية، مما يجعل المرأة مضطرة لإخفائها على الدوام.

وقد أدرك مسيلمة الكذاب منذ ألف وخمسمائة عام ضعف النساء تجاه الرائحة؛ فاستطاع أن يكسب حربا لم يرفع فيها سيفا ويجهض دينا وليدا لم تقدر له الحياة لأن مدعيته امرأة هزمها العطر. والقصة التي يحكيها محمد بن أحمد التيجاني في  تحفة العروس مشهورة إلا أن معظم من قرؤوها لم يتوقفوا إلا أمام الشعر الخلاعي الذي قيل إن مسيلمة راود به منافسته في ادعاء النبوة سجاح التغلبية!

تواجه الجمعان وكان جيش سجاح الأقوى. ورأى أتباع مسيلمة بن حبيب الحنفي أن يستسلم لها وينجو بنفسه، ولكنه كان واثقا من رهانه فرفض “وأمر بالبخور فأُحرق وأمر أن يُستكثر لها من أنواع الطيب لأن المرأة إذا شمت الطيب تذكرت الباه”.ثم أرسل إليها كتابا يقول فيه: ” أما بعد فإنه أنزل عليّ وحي وإنه نزل عليكِ وحي فهلم نتدارس ما أنزل علينا فمن غلب صاحبه اتبعه الآخر “.

 وجاءته سجاح إلى خيمته تحت تأثير القصف بقنابل العطر. ولا يعنينا أن يكون قد خاطبها بذلك الشعر المكشوف الذي يذكره صاحب تحفة العروس،  لكن الذي يعنينا أنها خرجت إلى جيشها بعد خلوة طالت لتعلن الاستسلام. باللهجة المميزة للمرأة المشبعة قالت:”لقد قرأ علي ما أنزل عليه من الوحي، فوجدته حقًا فاتبعته “!

ولا ينفي الاختلاف النوعي بين رجل وامرأة في تقدير العطر أن داخل كل منا جرونوي صغير يسعى لتعظيم رائحة جسده، طالما أن أحدنا لا يملك القدرة على تقوية أنوف الآخرين، وهذا ما جعل من تقطير الروائح واستخلاص أكثرها قدرة على الإغواء صناعة فاقت في أهميتها الصناعات الحربية، مثلما جعل من بيع عقود الفل وضمات الورد ألطف محاولة تسول يمارسها الأطفال على العشاق المتلاصقين على كورنيش النيل، بينما يمارس متسولون آخرون على مبعدة مئات الأمتار بوسط المدينة عمليات ابتزاز فظة بالعاهات الاصطناعية في أطرافهم وبأكياس الدم والبول تتدلى من تحت ملابسهم الرثة.

 

لا تنبع قوة الإثارة لعطر ما من المعرفة التامة بخصائصه، بل من مباغتة الجهل الكامل به، إذ لا يستطيع رجلٌ أن يقاوم غموض عطر يشمه للمرة الأولى، هذه المباغتة العطرية أو “شمة الحياة” هي التي أعادت بطل فيلم ” عطر امرأة cent of woman  الأعمى إلى الحياة، إذ اقتنع الرجل اليائس أن عالمًا به امرأة لها مثل تلك الرائحة يستحق أن يعاش فيه.

 

 وعلى المرأة التي تسعى إلى الجاذبية الدائمة أن تغيير عطرها على الدوام. ولكن أغلب النساء يفعلن العكس تماما، حيث لا يقاومن وهم التفرد بالثبات على عطر واحد بحيث يصبح علامة مميزة لهن. وهذا سعي مستحيل من الناحية العملية، إذ لا يظل العطر نفسه حتى على الجسد الواحد، لأن العطر على جسد مستحم غيره على المتعرق، والعرق ذاته يتأثر بنوع الأطعمة والأشربة التي نتناولها. كما أن هناك عشرات الآلاف، بل والملايين يشتركن في العطر ذاته الذي تظنه إحداهن خاصًا بها. ومن غير المؤكد أن تكون  هناك من استفادت من تثبيت عطرها، ولكن من المؤكد أن هذا التثبيت أضر بغيرها من حيث لا تدري، إذ سيرتبط العطر بعدد من صفاتها، بحيث لن يشم زوجها ذاك العطر في مكان آخر إلا ويتذكر أنه عطر المرأة السليطة أو عطر المرأة القاسية، أو عطر المرأة التي تشَخِّر بصوت عال، وربما استنتج أحكامًا ظالمة تخص نظافة المطبخ أو نظافة الزوايا الخفية في جسد المرأة الأخرى.

ذاكرة الرائحة لدى كل منا تمنع التطابق التام في استقبال رائحة أي عطر. العطر الواحد لا يعني الشيء نفسه لكل أنف، مثلما لا يمكن أن تعني الكلمات المعاني ذاتها لكل من يتلقاها. خبرات المتلقي السابقة تتحدد إدراكه للرائحة مثلما تحدد خبراته معاني الكلمات. ورغم ذلك فهناك ما يشبه الإجماع الثقافي على إعطاء هذا النوع أوذاك من العطور صفات معينة من الرقة أو الإثارة، من الاحتشام أو الجرأة، إلى آخر تلك القائمة المتعلقة بعمر مستخدمة العطر أو الوقت من النهار، وكلها أساليب تسويق ليس إلا، ولهذا فإن أحد أفضل الأماكن لتمضية فائض الوقت في المطارات بالنسبة لي هي أقسام العطور بالأسواق الحرة، حيث أتشمم وأعمل بعكس نصائح البائعات، فبعد استنفاد كل سنتيمتر مكشوف من ذراعيّ وذراعيها كأرضية لزخات العطر، أختار النوع الخطأ. وهذا لا يعود بكامله إلى رذيلة العناد في طبعي، بل بسبب من تأصل عدم الإيمان بما يقوله الباعة ـ كل الباعة ـ عن بضائعهم، إضافة إلى أن الروائح تختلط في كل يد بعد الزخة الثانية وأمام اليأس من إمكانية الوصول إلى نتيجة بشأن العطر، أركز جهودي في محاولة تمييز الرائحة الخام لجسد البائعة، وإن كانت من النوع “الحلو” المستحب في الصباح أم القوي الخاص بالسهرات.

ورغم فشل الروائح الجديدة في فرض قداستها على أنفي، فإنني لا أستطيع أن أتخلص من السمعة الحسنة أو السيئة لروائح الطفولة، فلا أكاد أطيق كولونيا اللافندر التي يفضلها الكثيرون، لأنها بالنسبة لي تمثل رائحة الموت، حيث كانت الطيب المعتمد في طفولتي لتعطير أجساد الموتى والشراشف التي يغطى بها الجثمان في رحلة عودته إلى حضن الأرض. وهي عندي على درجة واحدة من الشؤم مع عواء الكلاب في الليل. وفي المقابل يمكن للبخور أو لحنوط البركة الذي نتلقاه من الأديرة العتيقة أن يثير رغبة شخص غير متدين إذا ما وجده مصادفة في طريقه، بينما الأمر مختلف بالنسبة لمتدين جيد، إذ لا يمكن أن يشم فيه إلا الرائحة النفّاذة للفضيلة.

 

 وربما كان لأشكال الفواكه المستقيمة كالموز تأثيرًا شهوانيا على المرأة يقابله تأثير مماثل لفاكهة الاستدارة كالخوخ على الرجل، دون أن نعول كثيرًا على فعل روائحها، لكن محمود الورداني منح رائحة البرتقال في رواية بهذا الاسم قدرة على الإغواء، عندما جعلها رائحة للجسد المشتهى. رائحة البرتقال جميلة بالفعل، لكنني أظنها تنمي الورع لا الرغبة. وربما كان الورداني واحدًا من قلة نادرة من البشر لم تخضع لتقسيم الروائح إلى حسية وورعة الذي ألزمت البشرية به نفسها بعد المسيحية، فالأديان القديمة التي كانت أقرب إلى الجنس، أو كان الجنس جوهرها لم تعرف هذا الشرخ الذي تأسس بمداومة الكنائس على استخدام أنواع محددة من البخور والمسوح، موقعة بالعطر في المأزق الأفلاطوني نفسه الذي فصل بين الجسد والروح، وسينتظر العطر مجيء الإسلام لكي يسترد بعض وحدته، حيث أعاده النبي إلى مجال عمله الأصلي بالحديث الشريف الذي لا لبس فيه:( حُبِبَ إليّ من دنياكم الطيب والنساء وجُعِلتْ قرةُ عيني في الصلاة). والإمام السيوطي يجعل العطر قنطرة مناسبة لعودة الانسجام بين جسد الإنسان وروحه، بوصفه “الشكل الهوائي للمادة الذي يخترق الجسد” وهذه محاولة فلسفية لفهم طبيعة عمل الرائحة، تطلعنا على سر تأثير العطر كقنطرة مهمة بين الجسد والروح الأمر، الذي يجعله ضروريا في أداء فروض الأديان وفعل الحب دون تحديد نوع معين لكل من النشاطين.

لم يضع الإسلام مواصفات لعطور الورع وعطور الغواية، كما أن التوراة لم تفصل بين طيب المسح على الرأس كعلامة على الاصطفاء الإلهي وبين الطيب المستخدم كمقدمات لفعل الحب الذي يشير إليه الكتاب منذ البداية  بـ “المعرفة ” (وعرف آدمُ حواءَ امرأته وولدت قايين ـ تكوين 4 ) و(هو ذا لي ابنتان لم تعرفا رجلاً أخرجهما لكم فافعلوا بهما ما يحسن في عيونكم ـ تكوين 19) و( عرف ألقانةُ امرأتَه حنةَ ـ صموئيل الأول 1) ويتكرر هذا المجاز كثيرًا في التوراة وقد صار معتمدًا في العربية وعديد من اللغات. ويبدو أن الفصل وقع منذ بدأت صناعة العطور الدنيوية تطورها بينما احتفظت المعابد بروائحها التقليدية، وصار هذا التباعد حقيقة تتأسس منذ اللحظة الأولى لخروج الإنسان إلى الدنيا.

ــــــــــــــــــــــــــــ

*فصل “رائحة المعرفة” من كتاب “الأيك”.