المارشال علي..استعراض العظمة!

"Clown Painting", A. Dubsky, from book titled "Clown Paintings", by Diane Keaton
“Clown Painting”, A. Dubsky, from book titled “Clown Paintings”, by Diane Keaton

دام حكم المارشال علي نحو خمسين عاما. المعمرون رأوه عندما كان شابا بينما رآه من عاصر نهايات الخمسينيات من القرن الماضي شيخا ممشوقا يصبغ شعره ولحيته بالحناء (لم تكن الأصباغ الصناعية قد انتشرت بعد). امتدت دولته من باب زويلة جنوبا إلي باب النصر شمالا ومن صحراء الدراسة شرقا إلي شارع الموسكي غربا.

وقد اتخذ المارشال علي من دكة تواجه الباب الشرقي لمسجد الإمام الحسين بالقاهرة مقرًا لقيادته. عصا المارشالية في يده، بينما تثقل النياشين صدر سترته الحربية التي لا يعرف أحد إلي أي عصر تنتمي، لكنها تشبه سترة نابليون بونابرت، حيث تزين كتفيها رمانتان تتدلي منهما خيوط الحرير. في الصباح، عندما تتجه الرعية إلي أشغالها، يضطجع المارشال غافيا علي دكته الخشبية أو يجلس بعينين مسبلتين مفكرا في أحوال مملكته، ومع صلاة العصر تبدأ الجماهير في التوافد علي الميدان ـ البعض إلي المسجد والضريح والبعض إلي المقاهي أو المطاعم التي يزدحم بها الحي القاهري العريق ـ فتدب في جسد المارشال الحيوية ويقوم نافضًا التراب عن مؤخرته.

يمشي ملوحًا بعصا القيادة لأخلاط البشر الذين يتخذون في مخيلته هيئة طوابير عسكرية فيبدأ في إصدار الأوامر بالتقدم والالتفاف واحتلال المواقع الاستراتيجية. وبعد إنجاز المهمة وتحقيق النصر تعود الجموع إلي وظيفتها الأبدية: رعية تتدافع لتحية القائد المنتصر وهو يرد ماسحا الهواء بعصاه الحكيمة!
كانت الرعية المفترضة للمارشال علي تحبه فعلا لكن الأمر لم يكن يخلو من بعض المنغصات والمتاعب التي تثيرها الرعية ـ كدأبها ـ في وجوه الحكام باختلاف طفيف؛ فمتاعب الجنرال كانت دائما بسبب لطفه لا سخفه. والذين يرونه للمرة الأولي لم يكونوا يقدرون علي كتم ضحكاتهم عندما يرون أن عصا القيادة ليست سوي قطعة خشب فجة لم تمتد إليها يد التهذيب، وأن شارة المارشال علي الكتفين حقيقية وأن النياشين اللامعة فوق السترة المتسخة بعضها حقيقي يخص قادة راحلين عرف الإهمال طريقه إلي تاريخهم فتسربت إلي المارشال، وأكثرها مضحك يحمل أسماء وعلامات تجارية مثل أغطية المياه الغازية التي كان من السهل عليه ثقبها وإضافتها إلي صدر سترته المثقل.
وكان استعراض العظمة اللطيفة ذاك كله ينتصب فوق بنطلون بيجامة مقلم حالت ألوانه فوق الركبتين وتحت المؤخرة، بينما تطل أصابع القدمين من الخف الشعبي المتهرئ!

في مواجهة الضحكات كان المارشال يتغاضي أحيانًا وفي أحيان أخرى كان يضطر لإصدار أوامر اعتقال ونفي وإعدام يغادر بعدها من صدرت بحقهم إلي بيوتهم مبتسمين، فلم تجد قرارات المارشال قط طريقها للتنفيذ. علي أنه لم يكن يطلق هذه الأحكام المؤجلة إلا في وجوه الغرباء الذين يضحكون ببلاهة وعدم احتراز بمجرد رؤيته، بينما يحتفظ بتسامحه لأركان حكمه وقواته من صبية الحي الذين يعرفونه جيدا ويصطفون أمامه متظاهرين بالامتثال لأوامره؛ يسيرون يمينا وشمالا في خطوة عسكرية منتظمة حتي إذا صاروا علي مسافة معقولة منه صاحوا جميعا في صوت واحد لاعنين الموضع الحساس من السيدة أم المارشال، وهم يهرولون في فوضي جيش قطع حبل الوداد مع قيادته!
ولكنهم كانوا في كل يوم يعودون ليصطفوا مغفورا لهم من المارشال الطيب الذي لم يكن يزعم أن وسائل الإعلام العالمية تهتم بجهوده أو تشيد بحكمة وبطولة لا يمتلكهما. ولم يكن التسامح والتواضع والواقعية أهم مميزات المارشال، بل طهارة اليد، فهو لم يعرف طريقا إلي بنوك سويسرا وأمريكا بحساباتها السرية. كان يشعر بالأمان رغم أنه يأكل حسب الظروف عندما يأتي متصدق أو موف بنذر حاملا أرغفة محشوة بحبات الفول النابت عادة وباللحم في استثناءات نادرة سعيدة.
ذات صباح لم يكن المارشال موجودا. اختفي من تلقاء نفسه دون أن تهاجمه جيوش التحالف، ودون أن تتعب الفضائيات نفسها في التكهن بمصيره، لكن رواد الحسين وسكانه حزنوا عليه بحق لأنه لم يفكر في توريث دكة القيادة لأحد من أبنائه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من “ذهب وزجاج”