من أجل الاستمتاع بالحب: إما ذاكرة قوية أو لا ذاكرة على الإطلاق

50 Frist sates
50 first dates

 تعرفين أنني لا أعصي لك أمراً.

عندما كتبت إليّ أمس رسالفتك التليفونية: إفتح mbc2  طويت كتابي، مع أنني شاهدت woman in top من قبل، وبدون حذف الرقابة التليفزيونية.

الفيلم رائع، لكن الحذف جعله ناقصاً، فلا يمكن للمشاهد أن يفهم، لم قطعت بنيلوب كروز إصبعها بدلاً من قرن الفلفل الحار في حصة الطبخ!  في اللقطة المحذوفة تضببت عيناها بالرغبة لأنها تذكرت زوجها وحبيبها الخائن عندما كان يدعك الفلفل الحار في شفتيها قبل أن يمتصهما،  فقطعت يدها مثلما فعلت نسوة يوسف. لا تخافي،  إن كان لابد من دهن شفتيك، سأهنهما بالعسل، أو أبللهما بالنبيذ. لكنني سأحمل لك الفيلم  لتعرفي سر العنوان؛ فالمرأة ليست في القمة بسبب نجاحها الباهر في تدريس وتقديم برامج الطبخ في التليفزيون، بل لأنها كانت تفضل دائماً أن تكون فوق، وعندما ضبطت زوجها فوق الجارة، قررت هجره ولم تستمع إلى توسلاته لها  بالبقاء وتبريره لخيانته بأنها لم تراع أنه  رجل ويحب أن يكون فوق أحيانا!

 

لكنهما عادا على أية حال، لأن وشم حبهما الخاص جداً لا يمكن أن يمحى. استعادة تفاصيلنا جعلتني أومن أن هذا الغرام يشبه ولهنا. وأننا نستطيع أن نعيش هذا الوله من خلال الأفلام عندما يتوقف  جسدانا عن الهذيان.

هل سيكون في الفردوس أو في الجحيم قنوات خاصة بالأفلام؟

 

تعرفين أنه لم يكن من عادتي الاستسلام أمام شاشة التليفزيون. ولكن دعواتك لمشاركتك الفرجة على الأفلام في قنوات الدراما الأجنبية صالحتني على عادة المشاهدة، أشعر أحياناً أن مشاهدتنا المشتركة على البعد تعوض الغياب، وأحياناً تؤجج الشوق، وهي مع ذلك،  وفرت لي الملاذ الآمن من رهاب الكتابة، أقول: لا أكتب لأنني مشغول بمشاهدة فيلم جيد مع حبيبتي.. هكذا من دون أن أشعر بالتقصير (لأنني أهمل واجباتي) أو بالعجز (لأن الكتابة غادرتني) أو باليأس (لأن  ما سأكتبه سبق أن كتبته أو كتبه غيري).

 

هل تلاحظين أن أجمل الوله على قنوات الأفلام ينبع من مناطق حارة كبلادنا، لكنها مشرقة بحياة أكثر خفة، وببشر يستميتون لكي يحيوها. هل الحياة في الكاريبي أخف من حياتنا حقاً أم هكذا تزينها الأفلام؟

من أفلامهم يمكننا ـ علاوة على التصالح مع الحياة ـ اصطياد الحكمة من أفواه الممثلين؛ حتى في أشرطة التسلية الخفيفة. لكنها حكمة لا تنفعنا، إلا بقدر انتفاع سانتياجو بطل هيمنجواي في “العجوز والبحر” بالهيكل العظمي لسمكته العملاقة.

 

لا نصل إلى شاطيء الحياة إلا بالهيكل العظمي لحكمة الأفلام، فنغمض عيوننا راضين على أية حال.

في فيلم (لا أذكر عنوانه من كثرة ما رأيت؛ فأنا أخونك أحياناً وأشاهد من تلقاء ذاتي) قال أحدهم لأنثاه التي تحول عنها: لم أكف عن حبك، فقط تغيرت الوسيلة. ضعفت الحواس وقويت الذاكرة.

حل وسط عبقري بين الأبدية المستحيلة، وبين الاتهام الفظيع للمنسحبين بالخيانة وانعدام الوفاء.

هل يمكن للرجل المتروك أو المرأة المتروكة أن يقدر أو تقدر هذه البلاغة؟

 

هل يمكن تدوير كل ما كان جميلاً في الذاكرة، والفرح به كما لو كان يحدث مجدداً؟

بشر الأفلام فقط بوسعهم أن يقولوا هذا. وهم، وليس نحن، بوسعهم أن يواصلوا الحياة من دون ضغينة. وبخفة، من غير أن يضطروا لحمل أحد الثقلين: تابوت الحب الميت أو صليب الغدر.

فيلم آخر أذكر عنوانه، لأنني شاهدته من ليلتين فقط، قدم حلاً عبقرياً لضجر التكرار. في”50 first dates”  ” خمسون موعد أول” فقدت ذاكرة البطلة قدرتها على الاحتفاظ بأية ذكريات جديدة  بسبب حادث سيارة.

توقف خزينها من الذكريات عند تلك اللحظة، فصارت تستيقظ كل يوم لتنفيذ البرنامج الذي كانت أعدته ليوم الحادث. وتواطأ الجميع لإرضائها: ترتدي ذات الثياب، وتخرج إلى ذات الأماكن، ويقدم لها أبوها نسخة جديدة كل يوم من صحيفة يوم الحادث، ويحتفل معها كل يوم بعيد ميلاده، وتشاهد كل يوم شريطاً مسجلاً لمباراة البيسبول التي جرت في ذلك اليوم!

صارت الفتاة المثيرة للشفقة عبئاً على كل من حولها، باستثناء المحظوظ الذي وقع في حبها وتزوجها وأنجب منها، وظلت في كل مرة تستقبله بولع المرة الأولى!

 

في الحب نستمتع  بذاكرة قوية جداً، أو بلا ذاكرة على الإطلاق. لكننا في الحرب محكومون بقوة الذاكرة فقط، لأن النسيان في الحرب  خسارة مؤكدة.