هل أسأت إلى النبي اليوم؟ عن مجتمع ونظام يحب الرسول ويكره نفسه

الزند..وضع إصبعه في أذن المجتمع!
الزند..وضع إصبعه في أذن المجتمع!

لم يثر سعر صرف الجنيه ما أثارته كلمة تفوه بها وزير العدل المقال من انقسام في المجتمع ، ولم تترتب على مغامرات سوق الصرف  إجراءات إقالة للفريق الاقتصادي كالإقالة التي نالها الزند جزاءًا على كلمة اعتُبرت  إساءة للنبي.

كان الزند يستحق الإقالة في كل يوم قضاه في الوزارة، لأنه لم يكف عن الكلام يومًا، وفي كل يوم كان يساهم مع عدد من الأشخاص الرسميين في النظام والمحسوبين عليه من أمثال عكاشة ومرتضى منصور وولده في تشكيل صورة كاريكاتورية للدولة.

هذه الصورة التي تعكسها تصريحات هذه الشاكلة من المسئولين ساهمت في إصابة المصريين بالقنوط، كما رسمت للنظام صورة الديكتاتورية الفالتة من العقل، والتي لا يشبهها في تاريخ العرب الحديث سوى الجماهيرية الليبية العظمى، مع فارق أن جنون الجماهيرية كان ممثلاً في شخص واحد هو العقيد القذافي، بينما امتلأت قنوات التليفزيون المصرية بالقذافيين الصغار الذين أتوا من الغرابات ما يتكفل بإسقاط  عشرة أنظمة سياسية.

واحد من الأسياد
واحد من الأسياد

الزند جاء إلى منصبه بفضل زلة لسان اجتماعية ارتكبها سلفه محفوظ صابر عندما أدلى بتصريح يرفض فيه تعيين ابن الزبّال في النيابة، لكن المجتمع الذي رفض هذه الإساءة  من صابر ضد الزبالين فقط هو نفسه الذي تغاضى عن إهانة الزند للمجتمع كله عندما قال إن القضاة أسياد والآخرين عبيد، في معرض دفاعه المستميت عن توريث مناصب القضاء. للزند تصريحات كارثية أخرى ذهبت في مسارات دولية لترسم الصورة القاتمة لمصر بوصفها بلدًا يسخر من قيم العدالة والديمقراطية، عندما قال إنه سيعمل على سن تشريع يعاقب أسرة الإرهابي، وعندما أعلن أن الشهيد سيقابله ألف رأس من الإرهابيين!

قد يعاقب ديكتاتور مجنون مثل حاكم كوريا الشمالية أو احتلال بغيض كالإسرائيلي أسرة مرتكب الفعل المؤثم من الديكتاتور أو الاحتلال  من خلال إجراءات إدارية تتجاوز القانون، أما أن يدعو وزير عدل إلى وضع تشريع ظالم يجعل مبدأ العقوبة الجماعية قانونيًا  فهذا شيء يفوق قدرة العالم على التخيل.

وأن يتحدث وزير دفاع أو داخلية عن القصاص من الإرهابيين فسيحترم العالم هذا النظام، أما أن يصدر هذا التصريح عن وزير العدل فالأمر سينقلب للنقيض، مثلما لا يمكن للعالم أن ينظر بجدية إلى برلمان يتولى رئاسة لجنة حقوق الإنسان فيه شخص يخترق الحياة الخاصة للناس ويدعو إلى تصفية المعارضين.

والمجتمع الذي قَبل بقسمة الزند الطبقية (قضاة أسياد وأغيار عبيد) انتفض لأن الزند قال إنه سيحبس من يهاجمه حتى لو كان نبيًا. أثبت المجتمع أنه متدين ويحب النبي أكثر من نفسه ويحب آخرته أكثر من دنياه. والنظام الذي لا يستجيب للمظالم انصاع لسلف الفيسبوك والأزهر، وتصرف بحيوية يُحسد عليها وأقال الوزير، ليثبت أنه لا يقل حبًا للرسول عن القاعدة الشعبية السلفية، ولم تجد ابتهالات الوزير الأزهري المنشأ، ولم ينفعه جهره بالاعتذار للرسول فيما يشبه استتابة طوعية من متهم بالردة!

وبقليل من التعقل ستبدو المبالغة الزندية التي تفوه بها في البالوعة التليفزيونية “أسجنه حتى لو كان نبيًا” كلامًا عاديًا يقوله العامة، عندما يرحبون بضيف عزيز “زارنا النبي الليلة”. وقد أراد الزند من عبارته التأكيد على عدم التسامح؛ مثلما أراد الرسول ذاته التأكيد على فكرة العدالة عندما قال في الحديث الشريف “لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها” بالطبع ليس واردًا أن تسرق الشريفة بنت النبي، لكن أباها ضرب باسمها مثلاً.[1]

ومن النافل القول بأن ما قاله الزند ـ حتى لو كان إساءة ـ فهو لن يضير الرسول ولن يهدم الدين، لكن أقواله الأخرى كفيلة مع أقوال بقية القبيلة القذافية بهدم الدولة. ولكن حالة الهوس الديني المجتمعي وانصياع النظام لهذا الهوس قادت إلى اتخاذ قرار الإقالة الصحيح استنادًا إلى تسبيب خاطئ.

أحد وجوه النيو قذافية
أحد وجوه النيو قذافية

وإذا أخذنا هذه الإقالة في سياق التخلص من خلع عكاشة وخلخلة مرتضى وولده(بلغة أطباء الإسنان) سنرى القرار جيدًا ويعكس وعيًا متأخرًا من النظام بضرورة التخفف من الأحمال، لكن التسبيب الخاطئ يعطي  توجيهًا للوزراء بأولوياتهم في العمل الوطني، فليس مطلوبًا من الوزير أن يقدم شيئًا في اختصاصه، بل يسأل نفسه كل ليلة: هل أسأت إلى النبي اليوم؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]هذه الملاحظة ليست من بنات أفكاري، بل  لصديق لم أستأذنه  في نشر اسمه.