حارس وبشر لا يعرفون فضيلة الاصطفاف

AL-Haris

 

وسامة الحارس ليست مجرد نوع من التأدب مع المقام الرئاسي، فالحارس مرئي من الرئيس وأعدائه بنفس القدر. والجمال يخزي.. سلطان جمال الحارس عنوان لسلطان الرئيس؛ هو المحارة الواقية للرجل الذي يجب أن يظل محجوبا بكل الوسائل الممكنة. قشرة الكالسيوم الحامية تكون أكثر صلابة كلما اشتد جمال الحارس، لذلك تحافظ بعض الدول على تقليد قديم يوكل مهمة الحراسة إلى النساء. ارتدت عينا الملازم وحيد راضيتين عن المرآة الخلفية في العربة التي حملته في إجازته الأولى. فكر أن وسامته كانت أحد أسباب اختياره،  لكنه لم يشك في كونه محظوظاً.

ـ كان من الممكن أن تتبدد حياتي في نقطة معزولة على الحدود.

أحس بالخوف عندما تذكر خشونة حياة الدراسة، التي كان منطقها الوحيد إعدادهم للخدمة الوعرة على خط المواجهة مع الأعداء. فكر أنه ربما كان سيواجه  صعوبات أكبر لم تكن في بال مدربيه، ولكن يكفي أنه لن يعيش منفياً؛ شبه ميت تقريباً.

ـ ماذا يعني أن تكون حياً في مكان لا يراك فيه أحد، ولا تفعل فيه شيئاً مهماً؟

هنا هو حي، مرئي من الرئيس وإن لم يره، وهذا في حد ذاته دليل على انضباطه العسكري الموروث. تمكن منذ اليوم الأول من سحق نبتة الفضول القاتلة، ملتزماً بالنظر إلى الخطر المحتمل خارج الموكب، بزاوية الرؤية المحددة له.

وإن لم يكن رأى الرئيس حتى اليوم فقد صار جزءاً من قلب النظام الذي يحفظ للدولة تماسكها فصاً واحداً. هو واحد ممن يقومون على حماية القلب، بعكس الحال لو ألقي به في كتيبة على الحدود، وقتها لن يكون سوى حبة في طوق واحد من أطواق متعددة يستطيع أحدها أن يعوض غياب الآخر.

لم تشغله أفكاره عن متابعة توجيه الأوامر إلى السائق، أو تأمل الشارع المزدحم من خلف ستائر العربة. من غير المعقول أن يخلى الشارع من أجل ملازم في عطلة، ولكنه على الأقل كان يلاحظ أن قادة العربات الأخرى يبذلون ما في وسعهم لتحاشي الاقتراب من العربة، رغم الزحام غير العادي. لم يستطع أن يمنع نفسه من الضيق وسط شارع يفتقر إلى النظام، لاتمضي العربات في صفوف وإنما تتسابق في انعطافات حادة ومفاجئة تتحرش ببعضها البعض كأسماك متوحشة في بحر صاخب.

ـ لا يعرفون فضيلة الاصطفاف؛ النظام الذي خلق الله عليه الكون وترك للضباط السهر على تنفيذه.

ـــــــــــــــــــ

* مقطع من رواية الحارس.