تعقيبًا على الموت الطازج.. هذه هي الأسباب يا أيها اللصوص والتوافه

هذا مركب آخر للهروب من مصر ، الدم لم يزل طازجًا والمعلومات كالعادة قليلة وغير موثقة؛ ركاب المركب  ٦٠٠ في بعض الأخبار، و٣٠٠ في أخبار أخرى، المتنشلون أحياء يدور عددهم حول المائة وخمسين، أي أن القتلى سيكونون بين ٤٥٠ و١٥٠!

حتى الملابسات لا نعرفها، هل المركب غارق أم مغرق،  لكننا نعرف الأسباب، التي صرخت بها عام ٢٠١١ في كتاب «العار من الضفتين». السبب هو اقتصاد السماسرة الذي وضع كل الأنشطة الاقتصادية الصغيرة في مصر تحت حذائه، ولم يتغير شيء. وإذا كانوا يحذروننا من مصير سوريا، فقد سبقنا سوريا في الموت بعرض البحر دون حرب ، فللأمانة، لم يركب السوريون البحر إلا بعد انفجار البلاد!

img_4755

صناعة الفقر والإحسان

المهزلة التي تُسمى بـ “الانتخابات البرلمانية” في نوفمبر 2010 شهدت التطبيق السياسي لظاهرة الاحتكار الاقتصادي، بمعنى طرد اللاعبين الآخرين بالكامل من الساحة، الأمر الذي فسره أحمد عز أمين التنظيم بالحزب الوطني بالتفوق في تخطيط وإدارة الحملة الانتخابية. الشاب القصير،الذي بدأ حياته عازف طبلة أحد الرموز الصارخة للرأسمالية المفبركة ومحتكر الحديد لم يكن الوحيد الذي أخرج لسانه لكل قوانين الطبيعة وأعراف السياسة؛ فقد توحدت الرموز القديمة مع الجيل الجديد في الحزب على الجزم بنزاهة الانتخابات الأكثر تزويرًا في تاريخ مصر.

لكن المهزلة نفسها شهدت حملتها الانتخابية اختراقًا غير مسبوق في مسيرة استبداد الحزب الحاكم وسيطرته على الإعلام الرسمي؛ إذ قدم التليفزيون مناظرتين بين ممثلين للأحزاب الأربعة الكبيرة من بين الأربعة وعشرين حزبًا مصريًا: الوطني، الوفد، التجمع، والناصري. ربما كانت تقنية المناظرة تمهيدًا ذكيًا توحي بأن المعارضة أخذت فرصتها المتساوية في الدعاية قبل السقوط، وكان هذا هو ساتر الدخان الذي سبق عملية التزوير المعدة بذهنية احتكارية.

في إحدى المناظرتين مثّل الحزب الوطني وزير المالية يوسف بطرس غالي الذي كان يستمع لممثلي الأحزاب الأخرى وعينه تلمع بسخرية التفوق. وعندما تحدث بدا سعيدًا بكلماته التي رأى أنها ساحقة لممثلي الأحزاب الأخرى، قال: لم أسمع خططًا محددة. الانتخابات الأحد، و كنت أريد أن أسمع ماذا سيفعل هذا الحزب أو ذاك يوم الإثنين إذا حقق الأغلبية، نحن في الحزب الوطني لدينا الخطط لانتشال مليوني مصري من تحت خط الفقر في السنوات الخمس القادمة، نعرف من هم وأين هم ونعرف الوسيلة لفعل ذلك.

ما قاله الوزير هو نوع من الرطانة السياسية الخالية من المعنى تتلبس أعضاء النظام، ويمكن الرد عليها ببساطة: ولماذا لم تفعلوا هذا طوال ثلاثين عامًا، فالحزب لم يتسلم هؤلاء الفقراء من حزب آخر، حيث لم يجر تبادل للسلطة منذ إلغاء أحزاب ما قبل ثورة يوليو 1952.

هل احتفظ النظام  بهؤلاء الفقراء كل هذا الوقت لمناسبة انتخابات 2010 بالذات؟!

النشوة في كلام الوزير كانت توحي بأنه فخور بصناعة الفقر الذي يعرف كيف صنعه وكيف سيستأصله.

هذه النشوة بزراعة الفقر ومن ثم ادعاء حصاده تكاد تكون عقيدة سياسية، تظهر بأوضح ما يكون في شهر رمضان من كل عام. في ذلك الشهر المخصص للصوم تنطلق حمى الإعلانات من جمعيات خيرية تستغل حالة التصعيد الإيماني لتجمع الصدقات وأموال الزكاة لكفالة الأيتام وإطعام الفقراء والمساهمة في بناء المستشفيات. ومن كثافة وإلحاح هذه الإعلانات يبدو المصريون شعبًا عاطلاً يعاني من المجاعة والمرض.

وبينما توظف الإعلانات التجارية كل خيال ألف ليلة وليلة لعرض صور الوفرة من الطعام والنساء الفاتنات في المطابخ الواسعة الفخمة، تقدم هيئات التسول رسائل مباشرة من فنانين ورموز مجتمع وقادة دينيين تحث المصريين على التكافل، مستخدمة كل أساليب التسول الفظة، مثل استباحة الحياة الخاصة للمرضى، عرض آلامهم وعاهاتهم على الشاشة، كما تعرض الأطفال اليتامى في الملاجيء، ونماذج من الأسر الفقيرة فيما يسمونه “القرى الأكثر فقرًا” لحظة تلقيها المساعدة.The shame from the two banks

أول أخطار الإلحاح على الإحسان في شهر الصوم عند المسلمين أنه يقسم المجتمع المصري على أساس طائفي؛ فكل الرسائل تخاطب الحس الديني عند المسلمين من خلال الأحاديث والآيات القرآنية، ولا يكاد المرء يلحظ وجود مسيحيين في هذا المجتمع خلال شهر صوم المسلمين، الأمر الذي انعكس في شكل رفض اجتماعي مطلق لتقبل المفطرين في نهار رمضان، ليس من العامة فقط، بل من رجال شرطة يحتجزون المفطرين على الرغم من عدم وجود قانون يبرر ذلك.

تصاعد الفرز والتمييز على أساس ديني، هو أحد الأعراض الاجتماعية، مثل الحرارة المرتفعة في الجسم، هي ليست مرضًا لكنها تشير إلى مرض موجود. والمرض الذي تظهر أعراضه في حرارة إعلانات شهر الصيام هو ما يعاني منه نظام سياسي يرفع من شأن السمسرة ويضرب الإنتاج، ويتخلى عن مهامه في علاج المرضى وتنمية المجتمعات الفقيرة.

الإعلانات التجارية تقسم المصريين إلى تجار وزبائن، وإعلانات التسول تقسم المواطنين بالمعنى الديني إلى محسنين يمنحون الصدقات وفقراء يتلقونها. وأخطر الإعلانات التي ظهرت في السنوات الأخيرة حملت عنوان “اكفل قرية فقيرة”.

صيغة “الكفالة” أو تبني اليتيم بمعناها الديني تستند إلى موت الأب أو هروبه أو كونه مجهولاً (في حالة الطفل اللقيط) ومن الطبيعي أن يشير طلب الكفالة لقرية بكاملها إلى موت النظام السياسي وتهربه من مسئولياته.

لا أحد يعرف حكمة من وراء هذا الإعلان إلا حكمة إشهار الإفلاس السياسي، لأن كفالة قرية بكاملها تتطلب أن يكون الكافل مليارديرًا. وهذه الفئة محدودة العدد مما يجعل مخاطبتها بالطرق الشخصية ممكنة بدلاً من الإعلان في التليفزيون، لكن الإعلان يخاطب المكفولين بأكثر مما يخاطب الكافل، وكأن عليهم أن يشعروا بالامتنان للمتصدق الذي سيكفل قرية فقيرة.

وعندما يتصدق رجل الأعمال على قرية لن تبلغ صدقته أكثر من عدة ملايين من الجنيهات، بينما تكون الدولة قد منحته أرضًا مجانية تقدر بالمليارات، وكان الأكرم لهيبة الدولة وكرامة الشعب أن تتقاضى منه ثمن الأرض وتنفق هي على قراها. لكنها باختصار سياسة مدروسة لإحلال قيم الإمارة مكان قيم الجمهورية.

بلغة السوق يقوم النظام ببيع الزبون لرجل الأعمال، ويقوم الإعلان التليفزيوني بمهمة إشهار الحالة السياسية وإقرارها شعبيًا. هي فلسفة متكاملة تقوم على إزاحة قوانين الدولة المدنية التي تقوم على الواجب والحق  لتستقر مكانها دولة واقتصاديات الإحسان التي تقوم على الهبة والصدقة. والنظام الذي يفخر بمعرفة أماكن الفقراء لا يريد أن يعرف أماكن الأغنياء، لأنه حجز للفلاحين مكان المتلقي في منظومة الإحسان الاقتصادية ولا يريد أن يستمع لأي صوت يهز هذا التصور.

بعد تدهور قيمة الأرض الزراعية، ومع حصار  مشروعات الإنتاج الحيواني لم تعرف القرى كثيفة السفر أين تذهب بأموالها المحاصرة. بعض الأسر لديها خمسة أبناء في إيطاليا، بينما يتراوح المتوسط العام بين الاثنين والثلاثة من الأشقاء أو أب وأولاده من المسافرين في الأسرة الواحدة، وهذا معناه أن البيت الواحد يدخله في المتوسط ألفا يورو في الشهر من خارج القرية، أي نحو أربعة عشر ألف جنيه، وهو مبلغ مهول ومدمر إن لم يجد بابًا للاستثمار.

ولأن الأبواب كلها مغلقة، لم يعد أمام المال المتراكم في القرى الغنية إلا التنافس في الإنفاق الاستهلاكي والاتجاه لبناء البيوت التي تفوق حاجة الأسرة، ثم بعد سنوات يتجه كل واحد من الأبناء إلى بناء بيت مستقل له ولأولاده، خلافًا لبيت العائلة. ولم تتأخر الدولة عن تلبية هذه الرغبات بإباحة البناء على الأرض الزراعية، بعد أن كانت كردونات القرى محددة ومخالفتها بالبناء على الأرض الزراعية تعني الهدم والحبس.

ولم تمتد يد الدولة لوضع اشتراطات بناء أو تخطيط عمراني يساهم في تحديث القرى، بل تركت الأمر عشوائيًا، ولكي يكون البيت الجديد مرئيًا ومعروضًا أمام أكبر عدد ممكن من الناس يتم هجر قلب القرية وبناء البيت الجديد في الخلاء على الأرض الزراعية، وسرعان ما تتراص البيوت الجديدة بعشوائية ليكتشف أصحابها أنهم يسكنون حارات  ضيقة كالتي تمردوا عليها منذ سنوات قليلة، فيسعى بعضهم إلى بيع بيته ليكرر تجربة الهروب مجددًا.

وهكذا فإن القرية التي كانت شبه دائرية تحتمي دورها الطينية ببعضها البعض من اللصوص صارت متطاولة مثل دودة شريطية حول الطريق الرئيسي للقرية، حتى تشابكت القرى المتجاورة في كثير من مناطق الدلتا.

وبدأت عادات استهلاك كما في المدن من غير أن تلبي الخدمات حالة الحداثة العشوائية هذه. عندما كانت كل القرية من الطوب اللبن لم يكن هناك الكثير من البيوت يستخدم خطوط أنابيب المياه، وبالتالي تستهلك مياهًا أقل، وكانت مياه الاستحمام تراق على الأرضية الطينية للبيت أو الشارع لتتبخر في الشمس.

وفي خطوة تقبر كل هذا الماضي بدأ الفقراء العائدون بالمال وبخيال المدينة في بناء بيوت من الطوب المحروق وتبليطها بالبلاط واستخدام الماء الجاري في الحمامات من دون وجود صرف صحي فتشبعت الأرض بمياه المجاري التي يعاد سحبها للشرب وتتسبب في انتشار أوبئة الفشل الكلوي والكبدي. كما بدأت القرى تأكل من السوبر ماركت وتشتري احتياجاتها في أكياس من البلاستيك تلقى مع القمامة في الشارع، حيث لا يوجد نظام لجمع القمامة ولم تعد في البيوت طيور أو حيوانات تستهلك فضلات الطعام كما في السابق.

لم تتوقف قيم التنافس عند تأمين اللسان المعماري المشرع نحو السماء، بل امتدت لتشمل التباهي بالاستهلاك واقتناء الأجهزة الكهربائية والتخلي عن استخدام مخلفات الزراعة في الطهي والخبيز إلى استخدام الغاز والكهرباء، كما بدأ التنافس في تقديم المهور وهدايا الزواج، التي ستتحول هي الأخرى إلى دافع جديد من دوافع السفر، فلم يعد بوسع الشاب في قرى المسافرين أن ينافس أو يحصل على العروس التي يريدها من دون أن يخوض تجربة السفر.

عدد الأساور والخواتم الذهبية في يدي العروس ميدان للتنافس لا يتخلى عنه القرويون، ولم يزل أثاث بيت الزوجية يُحمل في زفة تجوب الشوارع، وتستعرض البطاطين والملاحف والوسائد وملابس العروس والمفروشات الأخرى والورود الصناعية التي يشترونها بكثرة بالإضافة إلى حلل الطعام المطبوخ وخزين المطبخ من السمن والزيت والأرز والبصل والثوم,  وكلما استحدث أحدهم إضافة تصبح واجبة في كل الأعراس التي ستقام بعده. إذا أضاف أحدهم إلى الأجهزة الكهربائية تلفزيونًا لغرفة النوم يصبح زفاف العروس بتليفزيونين واجبًا، إذا اشترت إحداهن لابنتها غسالة عادية ثم عدلت عن ذلك إلى أخرى أوتوماتيك ورأت أن تمنحها الغسالتين يصبح وجود الغسالتين قانونًا، وإذا أضاف أحدهم إلى ما يشتريه من أثاث غرفة أطفال تصبح هذه الغرفة مقدسة ويتم إلغاء بعض الزيجات بسبب الخلاف حولها، وقد لا تستخدم هذه الغرفة أبدًا، أحيانًا بسبب الطلاق الذي زادت نسبته بعد سهولة الزواج واعتماده على القدرة المادية فقط، أو لأن الأزواج الذين اشتروا غرفة الطفل ليست لديهم ثقافة الخصوصية، التي تجعلهم يهتمون بفصل الطفل في غرفة مستقلة.

وبعد أن تمارس الأموال كل أعمال التنافس في القرية يتوجه الفائض إلى شراء الأرض الزراعية الملاصقة للمدن الإقليمية (المراكز وعواصم المحافظات) وبناء العمارات عليها بهدف التأجير، ثم تأتي الخطوة الثالثة الانطلاق إلى القاهرة. ليس إلى الأحياء الراقية منها؛ بل إلى العشوائيات على الأطراف التي تسارعت حركة البناء بها، وصار هناك مقاولون متخصصون يبنون بيوتًا للبيع للمغتربين القرويين الذين يعودون في إجازاتهم ويتفقدون بيتًا ارتفع في غياب أية رقابة من الدولة، يدفعون ثمنه ويعرضون شققه للإيجار.

ومع كل هذه الخسائر الاقتصادية والاجتماعية التي يحققها حصار أموال السفر؛ فإن تعويق الإنتاج الزراعي لم يحول القرى إلى مكان يصعب كسب العيش فيه فحسب، بل إلى مكان للعنف يصعب العيش فيه.

كان المجتمع الزراعي يقوم في توازنه على ما يسميه علماء الاجتماع “الارتهان المتبادل” حيث يوجد تنافس اجتماعي لكنه محدود بحدود حاجة كل أسرة إلى الأسر الأخرى؛ الأجير بحاجة إلى صاحب الأرض وصاحب الأرض بحاجة إليه في الوقت نفسه، والجار في البيت بحاجة إلى العلاقة الجيدة مع جاره لأنهما شركاء في الساقية التي تروي أرض كل منهما، كما يتبادلان أدوات العمل.

وبسقوط قيمة كل هذه المنظومة واعتماد الأسرة الريفية على تحويلات الأبناء لم يعد هناك اضطرار لتحجيم خلاف أو نزاع، وبتراكم الثروات عند الجميع فقدت القرية  تقاليد احترام الكبير (الغني) التي يقوم عليها نظام القضاء العرفي، وفي الوقت نفسه لم تتقدم الحكومة لتملأ بالقانون وعصاه الفراغ الذي نتج عن تبدد حالة الارتهان المتبادل وتقادم فكرة الأعيان والكبار الذين يمكن الاحتكام إليهم، الأمر الذي زاد من نسبة الجرائم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فصل  من كتاب «العار من الضفتين».