زمن أم كلثوم المستعاد..ألق القومية ومرضها الفتَّاك

بكتاب الله، الزعيمة تحصن الزعيم
بكتاب الله، الزعيمة تحصن الزعيم

يتبادل عشاق أم كلثوم بولع تسجيلات الحفلات مصحوبة بتقديم مذيع الحفل، الخدمة نفسها تقدمها إذاعة الأغاني المصرية. في تمام الحادية عشرة مساءً بتوقيت القاهرة، تبث الإذاعة إحدى حفلات كوكب الشرق.

الأغنيات بحد ذاتها متوفرة بكل الوسائط، وما يبحث عنه المستمعون اليوم هو جو تلك اللحظة التي تجعل من هذه التسجيلات نوعًا من استعادة الزمن، ونوعًا من الملاذ لجيل القومية المغدورة.

همهمات الجمهور، توحي بحجم الحشد، وحالة  الوحدة العاطفية العربية التي لم تتحقق سياسيًا على الأرض إلا في تجارب قليلة خلَّفت الجراح، أكثر مما حققت من مزايا.

مذيع حفل أم كلثوم  يخاطب الجمهور العربي «في كل مكان عربي، وتحت كل سماء تصل إليها اللغة الأم، اللغة العربية» بهذه الصيغة أو بصيغ قريبة يمهد المذيع لظهور أم كلثوم،   التي لا تكتفي بلملمة أشلاء الخريطة العربية فحسب، بل إن صوتها لا ينسى العرب الفارين أوالمهاجرين طواعية، ويعيشون تحت سماوات أخرى.

هوية الدولة الجامعة «الجمهورية العربية المتحدة» تنسجم مع هوية المطربة الكبيرة، ولابد من إشارة إلى عروبتها، في تقديم المذيع، من أجل تأطير لقبها الفضفاض «كوكب الشرق» هكذا يتم أيضًا تعريب الشرق.

يد تبني ويد تجمع التبرعات

 بقدر ما يثيره هذا الخطاب من الحنين بقدر ما يثير الأسى في قلوب من حلموا بالقومية العربية، ويرونها وقد صارت سرابًا.

تأمل التقديمات الإذاعية لحفلات أم كلثوم بعين نقدية جديدة، يكشف عن أهم خطايا  القومية: تأليه الزعيم الفرد.

 عبدالناصر هو التجسيد السياسي للقومية العربية، وأم كلثوم، هي التجسيد الغنائي. زعامتها الفنية هي المعادل لزعامة عبدالناصر.

 وبينما كان الزعيم يلملم الجراح ويعيد بناء الجيش، كانت أم كلثوم تغني لتجمع التبرعات للمجهود الحربي، ولإعمار مدن القناة. ولذلك فالحفلات المستعادة الأكثر شهرة تقع في سنوات ما بعد النكسة، والكثير منها في عام ١٩٦٧، العام الذي قامت فيه السيدة بعدو ماراثوني بين المحافظات المصرية والعواصم العربية، من المغرب إلى الكويت، ومن السودان إلى تونس، ومن سوريا إلى لبنان.

%d9%a2

إعلام الزعيمة

 إذا كان عبدالناصر قد حظي بقلم هيكل، فقد ربطت أم كلثوم نفسها بالأخوين علي ومصطفى أمين، كما كان بجوارها ميكروفون عدد من المذيعين المتميزين.

بعد كروان الإذاعة محمد فتحي، الذي كان صديقًا يشاور ويقترح، وليس مجرد مذيع اقترب من السيدة في أربعينيات القرن العشرين، برزت في الحقبة الناصرية أسماء مذيعين، كانت أصواتهم بمثابة موكب الشرف الذي يُمهد لتجلي سيدة الغناء. من هؤلاء جلال معوض الذي جمع بين تقديم البيانات العسكرية وتقديم حفلات أم كلثوم، وقد مدحت تقديمه ذات مرة بأنه الغناء الذي يسبق غناءها. غير معوض هناك فهمي عمر، فايق فهيم، صالح مهران، همت مصطفى التي صارت فيما بعد محاورة السادات مع إشاعة حب وزواج، فاروق شوشة، وأحمد فراج الذي سيتفرغ بعد ذلك للحوارات مع الشيخ الشعراوي، قبل أن يتحول الأخير إلي نجم ويستغني عن سنادة المُحاوِر!

  وكانت السيدة تقدر مذيعي حفلاتها، من لم تعتبره صديقًا، كان يحظى على الأقل بكلمات مداعبة قبل بداية الحفل، أو حتى بابتسامة من سيدة الغناء؛ فهؤلاء هم كهنة المعبد، وأول المؤمنين، والسيدة صاحبة الذكاء الخارق تعرف أن الأساطير لا تترسخ دون رسل يحملونها إلى القاصي والداني. ولابد للرسل أن يكونوا أول المؤمنين. وقد وصل الإيمان إلى حد الانبهار الذي يوقع الخطأ، كما فعل فهمي عمر، عندما خاطب الجمهور:«أيها الستارة، تُرفع الآن الجمهور عن أم كلثوم» وستغفر السيدة، بل ستُعجب بقوة إيمان المذيع الصعيدي، وقد اكتفت في حبها للصعيد بمذيع من أهله، لكنها لم تغن في أي من محافظاته، ويبدو أن الصعيد سيء الحظ مع زعيمة الطرب كحاله مع الزعماء والموظفين بدرجة رئيس واحدًا بعد الآخر!

ساهم المذيعون المؤمنون، في حراسة تفوق أم كلثوم، وتقدمها بمسافة ضوئية على غيرها من المطربين والمطربات الكبار، وهي ذات المسافة بين عبدالناصر وغيره من الضباط والسياسيين.

عبادة التوحيد لم تكن تسمح لعبدالوهاب مثلاً بأن يكون موجودًا بجوارها، حتى في الحفلات التي قدمت الأغنيات العشرة التي تعاونا فيها، يعبر المذيع على الكلمات والشاعر، واللحن والملحن سريعًا، ثم يخصص بقية الوقت للتأكيد على أن النغم الخالد هو صوت أم كلثوم!

في حفل بمسرح دار سينما قصر النيل ٢ يونيو ١٩٦٦الذي كان ختام الموسم، غنت أم كلثوم الأغنيات الثلاث الجديدة: أمل حياتي، الأطلال، وبعيد عنك حياتي عذاب،  يأتي المذيع على ذكر الشعراء والملحنين بالطبع، دون كلمة واحدة تصف محاسن أي منهم، فهو مشدود إلي الزعيمة: «ومع الألحان الثلاثة في الأغنيات الثلاث، مع الجهد الفني الخلاق والعطاءالمتجدد يبقى صوت أم كلثوم حاملاً لكل الألحان، والأنغام مهما تنوعت واختلفت وتكاملت في النهاية، لتصل إلى جمهور أم كلثوم العريض وإلى عشاقها العديدين في كل مكان، عبر هذا الصوت الآسر المنطلق عبر إحساسها الصادق بالحياة وبالفن بجمهورها، هنا في هذا الحفل الساهر لا حديث إلا عن التجاوب العريض الذي شهدته هذه القاعة هذه الليلة من جمهور الحاضرين وهم يستمتعون بفن أم كلثوم».

اللغو اللذيذ

كان على المذيع أن يملأ الوقت في مقدمة الحفلة، وفي الاستراحة أو الاستراحتين اللتين تتضمنهما السهرة، بينما يتحرك في مساحة محدودة من اللغة، تقتصر على مدح السيدة من فستانها إلى انتصاب قامتها إلى صوتها.

وتتضمن التقديمات الكثير من اللغو، واللغة الجوفاء التي لم نعد نجدها سوى في البلاط السوري المنهار. يقول المذيع: «الحضور يتبادلون الكلام في الاستراحة، يرددون كلمات الأغنية السابقة ويبحثون في معانيها، ويقارنونها بأغنيات كوكب الشرق الأخرى، كما يتساءلون فيما بينهم عن أغنية الوصلة الثانية» هكذا، فالكلمات التي يتأملون معانيها لم تكتبها أم كلثوم، لكنه ينسبها إليها.

لكن، كيف عرف المذيع دون أن يغادر كابينة الإذاعة ما يتحدث به الجمهور في بهو المسرح؟!

هو يتوقع ما يجب أن يكون، فلا يمكن في حضرة أم كلثوم أن يتحدث الناس في شأن آخر.  الكل مشدود في كل لحظة إلى أم كلثوم، يمتدح الكلمات التي لم تكتبها، واللحن الذي أبدعه غيرها. جمهور مثالي، لا يفكر بغيرها. ليس هناك رجل يحاول الحصول على رقم تليفون سيدة جميلة، ولا موظف  يحاول التقرب من مسئول سياسي  لمحه بين الحضور، ولا امرأة تؤنب زوجهاعلى نظرة نابية وجهها إلى امرأة أخرى.

image2

الزعيمة في حضرة الزعيم

أركان الحكم كانت موجودة دائمًا. لا يوجد حفل لا يحضره عدة وزراء وعدة محافظين، بطانة سياسية تتبعها مثلما تتبع الرئيس. يتم التنويه بأسماء كبار الحضور في كل حفل، فينتبه المستمع من المحيط إلى الخليج إلى حالة التماهي بين السلطتين السياسية والفنية، ويعرف أن حب أم كلثوم لا يُفرق بين كبير وصغير، بين عظيم وحقير في أرض العرب.

بعض الحفلات كتنت تتشرف بحضور عبدالناصر منفردًا، أو مع ضيف من ضيوف مصر.  في فبراير ١٩٦٥ قام الحبيب بورقيبة بزيارته الشهيرة للشرق (القاهرة، أريحا، عمان، وبيروت) وفاجأ عبدالناصر وأغضبه بدعوته للاعتراف بالأمر الواقع  والرضا بالممكن في الحل مع إسرائيل.

 اصطحب عبدالناصر ضيفه اللدود إلى حفل أم كلثوم، لكي يطلعه على وجه من وجوه زعامته معكوسة في مرأة كوكب الشرق، الوجه الفني لزعامة مصر.

لم أعثر على تسجيل للحظة دخول الزعيمين إلى المسرح، والتسجيل الذي بين يديّ يصف المشهد بعد استقرارهما في الصالة، بين جماهير السيدة في انتظار تجليها: « سيداتي وسادتي، الجميع يتطلع بأبصاره ناحية المسرح، حيث تجلس بخلفه (يقصد خلف الستارة) كوكب الشرق السيدة أم كلثوم» ثم يهتف مع إزاحة الستارة: «وتنفرج الستار الآن لتبدو السيدة أم كلثوم وتقف لتحيي الرئيسين جمال عبدالناصر  والحبيب بورقيبة، وتحيي الجماهير، التي حضرت إلى هذا المكان لتستمتع بفن السيدة أم كلثوم، وغناء السيدة أم كلثوم. سيداتي وسادتي مع السيدة أم كلثوم». ثم تبدأ مقدمة أغنية «انت عمري».

  لا يزيد التصفيق الذي يتلقاه عبدالناصر عن التصفيق الذي تحظى به أم كلثوم، لأنها تحظى بالحد الأقصى، ولا مزيد لدى الجمهور. ربما الفرق هو في التصفيق وقوفًا للرئيس، لأنه يدخل إلى الصالة، بينما تدخل أم كلثوم من كواليس المسرح، لكنها كانت تحظى بالتصفيق وقوفًا إن لم يكن لحظة دخولها فعقب القفلات الموفقة أثناء الغناء.

في حفل أحيته بالمنصورة، مسقط رأسها عام ١٩٦٠ حضر جمال عبدالناصر، ولحظة دخوله إلى المسرح وقفت تحييه مع الجمهور، ثم ألقت خطاب ترحيب: «إنني كمواطنة أنتمي إلى هذا الإقليم الذي سعد بتشريفك، أحس بالفرحة الشاملة كما يشعر كل فرد فيه، وإنك يا سيادة الرئيس لتسعد كل بلد تشرفه بزيارتك، وليس هذا مقصورا على وطننا العربي، فهناك شعوب تشاركنا هذا الحب وهذا التقدير، فقد تتبعنا بقلوبنا رحلتك الموفقة إلي الهند وباكستان، وشعرنا بالفخر لما تلقاه شخصيتك العظيمة من حب وتكريم، وهزني بصفة خاصة استقبال فناني الهند لسيادتكم، وما عبروا عنه من حبهم لشخصك حين أخذوا يرقونك بالبخور ويحصنونك  بالدعوات، وهذه يا سيادة الرئيس أعلى مراتب الحب، ومن أحق من مصر بتحصين ابنها البار، وقد حققت ومازلت تحقق لها كل الآمال التي كانت تصبو إليها، إنها تحصنك بكتاب الله الكريم، أقدمه لك ضارعة إلى الله أن يحرسك ويرعاك ويسدد خطاك، وأن يبقيك حصنًا للعروبة ورمزًا لنصرها».

في ذلك الخطاب تماهي أم كلثوم بينها وبين الوطن، فمصر هي التي تحصن عبدالناصر بالمصحف الذي أهدته أم كلثوم.

 يتولى المذيع وصف لحظة توجه الزعيمة إلى الزعيم الجالس في الصف الأول من كبار رجال الدولة: «أيها السادة ونزلت السيدة أم كلثوم؛ فتقدمت من الرئيس جمال عبدالناصر، وصافحت سيادته كما صافحت السيد عبداللطيف البغدادي، والمشير عبدالحكيم عامر، والسيد زكريا محي الدين، والسيد حسين الشافعي، ثم قدمت لسيادة الرئيس هدية تذكارية، عبارة عن المصحف الشريف مبطن بالقطيفة، ومغلف بغلاف مطعم بالصدف والعاج..».

وبعيدًا عن الغلاف، فقد أهدت أم كلثوم عبدالناصر المصحف، الهدية نفسها التي تلقتها من محافظي المحافظات المختلفة التي غنت فيها. هذه اللمحة الدينية هي تقريبًا الفرق بين تجربة عبدالناصر وتجربة بورقيبة الذي أقام قطيعة بين التنمية والدين والرقى والتعاويذ.