لاشيء يمكن أن يُرى على الأسطح.. لاشيء بالمرة سوى النفايات التي كانت هناك دائماً.

من المؤكد أن ذلك حدث. صحيح أن درجة حرارته كانت تقارب الأربعين. ويتنفس بصعوبة شديدة. ومن شأن حالة كهذه أن تنتج عنها خيالات. لكنه رأى القائد حقيقة. كان جالساً بجوار فراشه. وطلب منه العمل بجد أكبر، وقال له إنه يعده لوراثة قيادة الفرقة.

ـ إن بقيت عاماً فلن أبقى الثاني، وأنت ترى أنني قد شرعت في هذه الخطوة.

هذا التصريح الذي ينتظره أي ضابط لم يكن في وقته تماماً، فلم يكن ما يعانيه حارس الشجاعة نزلة برد عادية كنوبات عديدة مر بها في حياته. كان ضيق التنفس الذي يعانيه يتطابق كلياً مع أعراض وباء اجتاح البلاد مؤخراً. وكان ما يبحث عنه في تلك اللحظة ميتة أقل ألماً. الاختناق من أسوأ الطرق التي يمكن أن يفقد بها المرء حياته هذا ما أحسه في لحظات اشتداد ضيق التنفس التي أجبرته مراراً على فتح فمه عن آخره يتلقط الهواء كسمكة خرجت إلى البر. حياته تمر على أبواب عقله المجهد كصور على سطح مرآة قديمة غائمة، وكان مستمتعاً بالعرض، مع ذلك وجد في نفسه بقية من إرادة نحى بها مخاوف الموت إلى أطراف دماغه المجهد، وأخذ يستمع إلى القائد بكل اهتمام كما لو كان راغباً في الميراث حقاً، فلا يزال هناك أمل في أن يكون ما يعانيه انفلوانزا تكالبت على جسده الذي لم يعد شاباً على أية حال. وإذا رد بحمق فإنه يبدد تعب عشرين عاماً من الخدمة في فرقة الفرسان من دون أن يدون اسمه في السجل الذي لايتسع إلا للقادة.

ـ لكن ذلك غير مضمون. 

رد النائب بصعوبة، هامساً بدرجة من الحياد، لكن ما أفلتته شفتاه الجافتان أغضب القائد الذي كان ينتظر رداً آخر، قاله النائب جاداً مرات سابقة. وكان صادقاً؛ فهو لا يريد للقائد أن يغادر مكانه إلا قائداً عاماً للحرس، لكنه تعلم كيف يكون أكثر واقعية وامتثالا لأحكام الزمن، فصار يقولها بدافع اللياقة. وكان هذا أكثر من مُرضٍ للعقيد الذي لم يكن الخوف من حفل تسليم القيادة بأقل من خوفه من الموت.

ما عناه النائب بـ “غير مضمون” ليس الضيق بوجود رئيسه أو افتقاد الأمل في إزاحته، لكنه أدرك أن الاختيار ليس بيد الرئيس المسن وحده إن كان مايزال حياً؛ السيدة لها رأيها، والأولاد، والخدم الذين يستقلون العربة الرئاسية للتسوق، وليس مدرب الكلاب في القصر ببعيد عن تقييم المرشح لمنصب كهذا.

 وعند التفكير بأمر الخلافة في قيادة الفرقة التي يعتز بها الرئيس أكثر من غيرها، ينبغي الخوف من لحظات الضعف التي قد يكون نظر فيها إلى العربة الرئاسية أو غيّر من مقياس زاوية النظر المكلف بها ذات يوم، أو أن يكون كح بطريقة قد تفهم خطأ بصيغة تهكمية. كل هذه المحاذير جعلت النائب يعيش متوائماً مع موقعه، متدفئاً بشارة الشجاعة على صدره سعيداً بأنه حتى اليوم تجنب المصير الغامض بين يدي الكتيبة الخفية.

_ لمَ تستبعد ذلك، ليس هناك من هو أحق منك.

قال القائد بتسامح وهو ينظر في عيني نائبه الذي غاص في صمته، من دون أن يدري هل كان يكلمه حقيقة أم يناجي نفسه أم يخاطب شخصاً لامرئياً. وللحظة أحس بأن المحتضر هو لا نائبه المتعرق في فراشه. حدق في الوجه المصفر بذهول من ينظر في مرآة وقحة لاتعرف اللطف أو المجاملة. وفكر أنه حتى الآن لم يوجد النظام الذي يمنع الموت من اختراق سياج الحراسة. لو توصل أحدهم إلى هذه الإمكانية، هل يمكن أن يعلن اختراعه أو يجعله متاحاً؟ عندما يحدث هذا فسوف يعيش الرئيس إلى الأبد من دون أدنى أمل لأحد من بعده، ويتجمد ضباط الحراسة في أماكنهم، بلا أمل في الترقي. وليس من معنى لهذا سوى تجمد الحياة؛ أي الموت في المحل من غير حاجة إلى من يقبض الأرواح.

مط شفتيه ممتعضاً، ماسحاً بعينيه فضاء الغرفة. ومد يده يجفف العرق على جبهة نائبه.

ـ ما رأيك بجولة على نقاط الحراسة الآن؟

يعرف القائد أن يومين من الانقطاع عن الميدان يمكن أن يفاقما حالة نائبه، ويصبحا هما نفسهما مصدر العلة، وسبباً في تدهور لا يبرأ منه. ولذا ألقى باقتراحه كي يعيد النائب إلى حيويته.

ـ ليتني أستطيع.

خرج الرد واهناً من صدر المقدم مباشرة. وأحس القائد بحالة الوهن نفسها تتسلل إليه، مع سيل من العرق البارد على عنقه؛ فهب واقفاً. ولم يدع فرصة أخرى للتراجع، محولاً العرض إلى أمر قيادي لايرد.

ـ سأعود بعد عشر دقائق.

وضغط جرس استدعاء الخدمة في الجناح، فدخل على الفور جنديا خدمة النائب، دقا الأرض بقدميهما ورفعا يدين بالتحية، وأفسحا للقائد الذي أمرهما بمساعدة نائبه على تغيير ملابسه.

عندما عاد  القائد كان النائب جاهزاً في بدلته وقد علق مسدسه في خصره، ونظارة الرؤية الليلية في رقبته، وعلى جيب سترته شارة الشجاعة مثل نابض كهربائي يدفع بموجات من الصحو إلى بدنه الواهن، وإن كانت خيوط العرق البارد تنزلق على عموده الفقري. جرب المشي لخطوات لكنه تداعى فوق أول كرسي بالاستقبال.

ابتسم القائد مغتبطاً بكونه استطاع أن يخمن بالضبط حدود قدرة نائبه، ولم يقترح عليه الجولة من دون استعداد يناسب وهنه. أشار إلى أحد الجنديين فخرج مستدعياً جنوداً أربعة كانوا ينتظرون في الخارج بمحفة، استلقى النائب عليها، ودثروه ببطانية. تقدم القائد وخلفه حمل الجنود محفة نائبه الذي أخذ شهيقاً عميقاً متلذذاً برائحة الاسطبلات التي تهب عليهم رغم سكون الهواء.

أمام أول برج مراقبة على السور توقف الموكب. كانت هناك رافعة من تلك التي تستخدم في نقل بالات التبن والبرسيم المجفف وجوالات الشعير للجياد.  تسلق العقيد السلم، وعندما وصل إلى القمة كان الجنود قد وضعوا  محفة النائب على الرافعة التي بدأت بالتحرك لأعلى حتى صارت في محاذاة عتبة البرج. تخلص النائب من الغطاء بوهن، واستدعى كل طاقته وقام متشبثاً بيد القائد الممدودة إليه.

وضعا نظارتي الرؤية على عيونهما. وقفا ينظران من إحدى الكوى. تذكر النائب ليلته الأولى في الحراسة الليلية. تداعت المشاهد على رأسه صافية كذكريات الطفولة: الملاءات المهتزة فوق أشباح، لاعبو الورق، ومشاهدو التليفزيون، وحلقات الثرثرة، وصبي الطائرة الورقية الذي أثار ذعره وعرضه للمحنة الأولى في خدمته. الآن لاشيء من هذا يمكن أن يُرى على الأسطح ذاتها. لاشيء بالمرة سوى النفايات التي كانت هناك دائماً.


الفصل الأخير من رواية الحارس ـ العين ٢٠٠٨