كيف وصل الصينيون إلى قلب الصعيد.. بـ”قمصان اللانجري”؟

 

استقر الكثير من تجار الملابس الداخلية الصينية في صعيد مصر برغم العادات والتقاليد

ذا نيويوركر – بيتر هيسلر

بمجرد أن أخبرت سائق التاكسي أن يصطحبني إلى الصينيين في المدينة، فوراً وبلا تردد تحرك بمحاذاة الكورنيش ثم بعد عدة شوارع جانبية أشار إلى لافتة مكتوب عليها ”محلات ملابس داخلية صينية للسيدات“. كان ذلك في مدينة أسيوط في قلب صعيد مصر، وعرفت بوجود محلين آخرين هما (china star) و(noma China) ويدير تلك الأماكن ثلاثة صينيين من منطقة تشيجيانج بجنوب الصين. وتبيع المحلات الثلاثة منتجات متشابهة جميعها ليست غالية الثمن، وبألوان مبهرجة وغير عملية.

يعتبر الصعيد أكثر المناطق المحافظة في مصر حيث ترتدي أغلب النساء الحجاب وليس غريباً أن يرتدين النقاب. وفي أغلب المدن لا توجد سياحة بينما الصناعات الموجودة قليلة حيث تعتبر أسيوط هي أفقر المحافظات المصرية.

مع ذلك وجدت 26 من تجار الملابس الداخلية الصينيين، أربعة منهم في سوهاج، و12 في أسيوط، و2 في ملوي، و6 في المنيا و2 في بني سويف. ويقول دونج ويبنج الذي يمتلك مصنع ملابس داخلية في العاصمة، إن أكثر من 40 من أقاربه الصينيين متواجدون في مصر، وجميعهم يبيعون منتجات مصنعه. بينما يقوم الصينيون الآخرون بإمداد محلات الملابس الداخلية الأخرى التي يمتلكها مصريون. ويعتبر هؤلاء الصينيين تلك التجارة نافذة لهم على المصريين.

في عيد الحب، كانت طريقة احتفالي بأن قلت وداعاً لزوجتي واتجهت إلى أسيوط لأشاهد الناس وهم يشترون الملابس الداخلية من محل (China star shop) تقريباً طوال مدة الليل. ويقع المحل بجوار مسجد ابن الخطاب، وقبل آذان المغرب بقليل جاء شيخ إلى المكان وتبعه منتقبتان، ووقف هو على مدخل المحل ودخلتا السيدتان وكان يومئ لهما برأسه ليقرر الموافقة أو الرفض على اختياراتهن. وعند حديثي معه قال إنه يراقب المساجد ويتبع وزارة الأوقاف، فيما لم تتضح علاقته بالمنتقبتين. ولم يغضب عندما ذكرت له أن المسلمين المتدينين لا يحتفلون بأعياد مثل عيد الحب.

في صعيد مصر لا تسأل رجلاً بشكل مباشر عن زوجته وخاصة إذا كانت منتقبة. قام الشيخ بمحاولة تقليل أسعار ما سيدفع ثمنه وتحدث مع كيكي العاملة الصينية المسؤولة عن المحل وكانا يتجادلان في فارق تبلغ قيمته عشر جنيهات، ثم انطلق آذان إقامة صلاة المغرب فقال لها ”يجب أن أذهب. أنا شيخ يجب أن أذهب للصلاة“ لكنها أمسكت بذراعه، وقالت ”أريد عشر جنيهات أخرى“. هنا نظر إليها الشيخ بعصبية ثم قام بالتوجه نحو القبلة وبدأ في الصلاة بداخل محل الملابس الداخلية. هنا قامت كيكي بالتنازل عن العشرة جنيهات وبدأت في التعامل مع الزبائن الأخرين، وابتسم الشيخ وانصرف وتبعته المنتقبتان.

تقول كيكي إن البعض يترددون على المحل مرتين أو ثلاثة كل شهر ويطلبون المئات من تلك المنتجات لذا يقوم المحل (China Star) بتغيير المعروض كل شهرين. وعندما سألت عن السبب قالت إن ذلك لأن الرجال المصريين يحبون الجنس، وبسبب آخر هو القيود المفروضة مجتمعياً على الملابس العادية. وفيما يتعلق بالدين يفضل الصينيون في هذا المجال المسلمين على المسيحيين لأن الأقباط أقلية ناجحة مالياً ولديهم سمعة معروفة بأنهم يتفاوضون في الأسعار بقوة، أما المسلمين يستهلكون تلك الملابس بشكل أكبر ومن السهل التفاوض معهم حول الأسعار.

تقوم المحلات بتوظيف مصريات صغيرات في السن، وبالكاد يتعاملن مع رؤسائهن ومع ذلك يكنّ أكثر ولاءً للصينيين أصحاب العمل. في صعيد مصر ليس من الطبيعي أن تعمل المرأة، وفي بعض الحالات بعض العاملات شاركن في الثورة.

تعمل رحمة مدحت ،18 سنة، في محل (china Star) مع كيكي وزوجها جون. ترتدي رحمة الحجاب لكنها أيضاً تمتلك أوشاماً على كلتا يديها أحدهما لجمجمة وعظمتين متقاطعتين. ورسمتهم بالكنيسة القبطية. معظم العاملات في تلك المحلات اضطررن للعمل بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة. وفي أحد المحلات (Chinese Lingerie Corner) في المنيا قالت رشا عبد الرحمن ،27 سنة، إنها بدأت العمل تقريباً منذ عقد مضى بعد وفاة والدتها وإصابة والدها بالشلل في حادث سيارة. لديها 4 شقيقات وجمعت الأموال التي ساعدت ثلاث منهن على الزواج. كما تضيف أنها لا تقبل العمل لدى مصريين وتفضل الصينيين لأنهم مباشرون وأمناء وبعيدون عن شبكات نقل الأحاديث والحوارات المصرية، وتقول ”يحتفظون بأسرارهم“.

تقول رشا: “لا يستطيع الرجال المصريون أن يبيعوا الملابس الداخلية النسائية كما يبيعها الرجال الصينيون”، وتضيف أن الرجل الصيني يحضر قطعة الملابس ويعطيها للمرأة مباشرة أما الرجل المصري فقد ينظر إلى قطعة الملابس ثم إلى المرأة وربما يلقى نكتة أو تعليقا. وتضيف أن رئيسها السابق الصيني ”لا يفكر في شئ عندما يبيع.. عندما تشتري شيئاً تستطيع أن ترى أفكار البائع لكن عقول الصينيين لا تفكر في أجساد النساء“.

بعد الشيخ، دخلت فتاة ستتزوج قريباً، عمرها 19 عاماً وكان بصحبتها خطيبها ووالدتها وشقيقها 16 سنة. بدأت كيكي في اختيار الملابس مع الفتاة التي كانت تمسك بالقطع وتمررها لخطيبها ووالدتها وشقيقها الصغير كي يبدوا رأيهم. وفي النهاية استقروا على مجموعة من الملابس. درست الفتاة الحقوق وخطيبها يعمل محامياً، وكانت ترتدي ”جينز“ لا يبرز أي انحناءات من جسدها ومعطف أخضر طويل و حجاب رأسها كان مربوطاً بإحكام مما يدل على النمط المحافظ.

وعندما سألت الأم عما إذا كانت ابنتها ستعمل بالمحاماة بعد الزواج فقالت بفخر: ”بالطبع لا، ستبقى في المنزل“. تحدثت كما يتحدث الرجال المصريون عن أن زوجاتهم يقضين أوقاتهن في المنزل. في العربية كلمة (Doll) تعني عروسة، ويطلق هذا اللفظ الأطفال المصريين على الدمى التي يلعبون بها والتي يجردونها من ملابسها ويلبسونها مرة أخرى.

وسألت ”لين“ الذي قدم إلى مصر في بداية 2007، عن المشكلة الحقيقية التي تواجه عملهم في مصر فقال ”لا توجد مساواة بين الرجل والمرأة. هنا تريد المرأة فقط أن تنام وتبقى في المنزل. لو أرادوا التطور فأول شئ يجب القضاء عليه هو تلك المشكلة“، أضاف أن الصين فعلت ذلك بعد الثورة، بينما هنا يتم اهدار المواهب. وأكمل حديثه مشيراً إلى مصنع إعادة التدوير الذي يملكه ويقول ”انظر إلى عائلتي ستجد كيف تعمل زوجتي. لم نكن لنصل إلى شئ بدونها. وابنتي أيضاً تقوم بإدارة محل. لو كنّ مصريات، لما فعلن ذلك“.

على جانب آخر، كنت قد التقيت بدبلوماسية من دولة آسيوية أخرى لمناقشتها حول بائعي الملابس الداخلية الصينيين في صعيد مصر، وقالت لي ”الصينيون سيبيعون للناس أي شئ يحبونه. لا يسألون. لا يهتمون بما تفعله بالشئ الذي يبيعونه لك. لن يسألوا عن موعد الانتخابات المصرية، أو عن القمع أو الصحفيين في السجون. لا يهتمون بذلك“.

وأكملت قائلة: ”يعتقد الأمريكيون أنه لو كل الناس أصبحوا مثلهم، فاحتمالات أن يهاجموهم قليلة.لا يفكر الصينيون بتلك الطريقة. لا يحاولون أن يجعلوا البقية مثلهم. استراتيجيتهم تقوم بصنع روابط اقتصادية، وبقطعها ستضر نفسك أكثر مما تضرني“.

خلقت الصين تلك الروابط في إفريقيا خلال العشرين عاماً الماضية. كانت صادرات مصر إلى الصين تمثل عشر الواردات وهذا الفارق مستمر في الاتساع. تحتل الصين المرتبة رقم 20 في الدول المستثمرة في مصر، وعدد الصينيين في الدولة يقدر بعشرة آلاف. ويدرس حوالي ألفين طالب صينd بجامعات مصر معظمهم مسلمين وتخشى الصين أن يعودوا بأفكار متطرفة، ويجعل ذلك الحكومة الصينية تتمسك أكثر بالرغبة في استقرار مصر

ــــــــ
عن موقع زحمة