من قراءات أحمد شافعي: الأصم الأعمى

لارا فابنيَر

ترجمة: أحمد شافعي

ذلك الرجل الأصم الأعمي، عشيق صديقة أمي، كان في طريقه إلى قضاء الأمسية عندنا. كان اسمه ساشا.

اسم صديقة أمي هو أولجا. عرفتها منذ أن كنت طفلة، فاعتبرتها صديقتي أنا الأخرى. جميلة. أجمل من أمي. ذات جسد طويل لين وشعر أسود فاحم يصل حتى خصرها. ومع أن لأمي ولي أيضا شعرا داكنا، لكنه هائش وخفيف ويمكن نسيانه، بينما شعر أولجا كان يجعل الناس يحملقون فيها. كانت أولجا تعيش في بلدة على البحر الأسود، لكنها كثيرا ما كانت تزور موسكو، وكلَّ مرة كانت تأتيني بهدية، فكان أحب هداياها تلك عقد من الصدف، كنت أحب أن أرتديه وأرقص، بينما أولجا تصفق وتغني. كانت أمي تقول “مسكينة أولجا، إنها بارعة مع الأطفال”. كنت طفلة وحيدة، لكنني مقربة للغاية من أمي، إلى حد أنه لم يكن بوسعي إلا أن أسمع في صوتها رنة التباهي. وأوضحت لي جدتي أن “الاثنتين كانتا تريدان الإنجاب بشدة، لكن أمك الوحيدة التي استطاعت أن تنجب”.

التقت أمي وأولجا للمرة الأولى في تجربة تخصيب ضمن برنامج تجريبي في إحدى عيادات موسكو. نزيلتان لأسبوعين طويلين في ظل إدارة امرأة ذات شارب وحذاء عسكري كان على النزيلات أن ينمن في غرفة واحدة ويخضعن لكل شيء معا. كن خمسة. كلهن في الثلاثينيات، وكلهن (لسبب ما غير معقول) حاصلات على الدكتوراه. دكتوراه أمي كانت في الرياضيات، وأولجا في الفلسفة. كان موضوع رسالة أولجا هو الإدراك، وأمي هو الأرقام السلبية. كان سريراهما متواجهين، فلم يكن لهما خيار إلا أن يصبحا صديقتين. اشتركتا معا في الطعام، والكتب، والقصص والنكات. حكت لي أمي أن المرح لم يكن طبعا أصيلا في نفس أولجا لكنها كانت دائمة الضحك لنكات أمي. وبعد أيام قليلة، بدأتا في تبادل البول. كانت ذات الشوارب تطلب من النزيلات جميعا عيِّنات بول كل ثلاث ساعات. فكان عليهم أن يتبولن قبل النوم مباشرة، في الحادية عشرة مساء، ويضبطن المنبِّهات ليستيقظن في الثانية صباحا، وفي الخامسة صباحا، فتولَّت أمي نوبة الثانية صباحا. تستيقظ وتبول لنفسها ولأولجا. ثم تفعل أولجا مثل ذلك في الخامسة صباحا، فتنال الاثنتان ما يشبه ليلة معقولة من النوم. ولم تكن أيٌّ منهن تبالي بأن هذا قد يفسد صحة البحث الذي كانت تجريه ذات الشوارب. وكان يحلو لأمي أن تقول لي “أنا وأولجا أختان بالبول” فأغار وأود لو أن لي أنا أيضا أختا بالبول.

بنهاية البرنامج كانت أمي وأولجا قد اعترفتا لإحداهما الأخرى أنهما غير سعيدتين في زيجتيهما. قالت أولجا لأمي إن زوجها يحبها بجنون، لكنها لم تشعر تجاهه يوما إلا بالميل والاحترام. وكانت تود لو تعرف كيف يحب شخص آخر “بكل خلية من كيانه” كما يتحاب الناس في الكتب. كانت على يقين أنها لن تعرف هذا الحب إلا تجاه طفل تنجبه. وقالت أمي لأولجا إنها تحب أبي بكل خلية من كيانها، لكنها ليست متأكدة أنه يبادلها الحب. كان لديها إحساس بأنه ضجر من زيجتهما، فتمنت أن يربطه بها طفل تنجبه.

الاثنتان خسرتا في النهاية. لم ينجح علاج أولجا. وأمي أنجبت، ومع ذلك تركها أبي. كنت في الخامسة حين حدث ذلك. ولما بلغت السابعة كانت لابي زوجة جديدة وطفلة جديدة. وكثيرا ما كانت تلك الطفلة تمرض. في كل مرة خطَّط فيها أبي لشيء معي، كالذهاب إلى مسرح الأطفال أو حديقة الحيوانات، كانت الطفلة تمرض فيضطر إلى الإلغاء. لكن الجميل في الأمر أنه كلما ألغى شيئا، وعدني بشيء آخر، شيء أكثر إثارة بكثير من الذي ضاع علينا. فأرى كم أنا محظوظة لأنني لم أذهب مثلا إلى حفل موسيقي، لأنني بدلا منه سوف أذهب إلى المسرح! وعندما كان يلغي المسرح، كان يعدني بالسيرك. ثم يلغي السيرك أيضا ويعدني بشيء ممتاز فعلا: رحلة للتزلج على الجليد في الريف. سنركب القطار إلى الريف ونقضي اليوم كله معا. سنتزلَّج في الغابات معلِّقين على ظهورنا حقيبتين ممتلئتين بالطعام، وقد تصادفنا حيوانات الشتاء. كنت أرى نفسي محظوظة بصورة لا تصدق لأن أختي الرضيعة مرضت قبل الحفل الموسيقي وقبل السيرك وقبل المسرح! وأننا سوف نذهب بسرعة شديدة. في العطلة الأسبوعية القادمة كما قال بابا. ويتضح بعد ذلك أن “العطلة الأسبوعية القادمة” تعبير مطاط للغاية. فعطلة الأسبوع بعد القادم أيضا عطلة أسبوعية قادمة، وعطلة الأسبوع التالي له، والتالي له. و”أنت تكسر قلب البنت”، هكذا سمعت أمي تصيح في التليفون. لكنها كانت مخطئة. فقد كنت أتقبل كل ذلك الانتظار. كنت أعرف إن إحدى العطلات الأسبوعية القادمة لا بد أن تكون “العطلة الأسبوعية القادمة”. ولم أشك في ذلك حتى حينما انتهى الشتاء رسميا. لأن أبي قال إن “الجميع يعرفون أن جليد مارس هو الأفضل” فظللت أكرِّر ذلك إلى ما لا نهاية. “سأذهب أنا وأبي إلى رحلة التزلج قريبا جدا. نحن فقط ننتظر أفضل جليد”. وفي تلك الأثناء، كان جليد موسكو يذوب بمعدل مثير للإحباط. وقال أبي “لا يزال في الريف الكثير من الجليد”. وفي منتصف مارس، مات كلب أحد جيران أبي. وسألت أمي “لماذا لا تموت أختي أيضا؟ ستسهِّل الدنيا على الجميع” فنهرتني ماما لكنني سمعتها تحكي ذلك لجدتي وتضحكان.

وأخيرا ذهبت أنا وأبي إلى رحلة التزلج. كان ذلك في الحادي والثلاثين من مارس، اليوم الذي يصبح الجليد فيه مثاليا للتزلج. كل خبراء التزلج في شتى أرجاء البلد يعرفون هذا. “انظري، هناك جليد” قالها أبي ونحن نخرج من القطار. سمعت في نبرة صوته الدهشة والارتياح. ارتدينا الزلاجات واتجهنا إلى الغابة. لم نتزلج طويلا، فالجليد، برغم نقائه ونصوعه، كان زلقا أكثر مما ينبغي. وبعد دقائق قليلة التصقت منه طبقة سمكها بوصتان تقريبا بمزالجنا، فلم يعد بوسعنا تقريبا أن نتزلج، وصار علينا أن نمشي بالمزالج وكأننا نرتدي أحذية عالية الكعوب. كما أننا لم نر أي حيوانات. ولكنه مع ذلك بقي يوما رائعا, علمني أبي كيف أوقد نارا في الجليد، وأعددنا شايا بالجليد بدلا من الماء، فشربنا ذلك الشاي ونحن جالسان على أقدامنا فقط بجوار النار، وكنا نضحك بجنون كلما اختل توازن أحدنا فسقط على ظهره في الجليد. وفي طريق البيت قال لي أبي إننا سنكرِّر الأمر في الحادي والثلاثين من السنة التالية، يوم أفضل الجليد. علمني أيضا أنني لا ينبغي أن أعلق حقيبة الظهر في القطار لأنني قد أضرب بها أحدا بدون قصد، بل أخلعها قبل أن أدخل القطار وأحملها أمامي، أو أسحبها من يدها إذا كانت ثقيلة جدا. ورسخ هذا في ذهني. فصرت دائما أخلع الحقيبة قبل أن أدخل القطار، حتى لو أنها حقيبة رفيعة. لا أتذكر أي دروس أخرى تعلمتها من أبي.

حينما رجعت إلى البيت في تلك الليلة قلت لأمي إنني أحب أبي أكثر مما أحبها. كنت صادقة في كلامي، لكنني لا أعرف أي شيطان قاس استولى علي فقلته. لعلي كنت ألومها لفشلها في الحفاظ على أبي معنا. ولعي أحسست أنها تلومني للسبب نفسه. عموما، إذا كانت ندمت في تلك الليل على إجرائها تجارب التخصيب، فمن المؤكد أنني أتفهم هذا.

تصادف أن أولجا كانت في موسكو في الحادي والثلاثين من السنة التالية. كانت تمنِّي نفسها بقضاء وقت هادئ معنا تحكي خلاله لأمي عن ساشا. لكنها وجدت أمامها مشهدا من الفوضى التامة. كنت جالسة على الأرض محشورة بين دولاب أمي الضخم وسريرها، أبكي رافضة القيام من مكاني، وأمي وجدتي وجدي يتناوبون على محاولة إقناعي، مستعملين في ذلك تكتيكات مختلفة تتراوح من الرشوة إلى التهديد إلى طمأنتي بأن أبي يحبني حبا عظيما.

لم تلجأ أولجا إلى أي أسلوب من أساليب عائلتي. وزنت الموقف، ثم دخلت غرفة النوم وكأن شيئا لم يكن، وكأنني لم أكن أرتعش في الركن محمرَّة الوجه غارقة في المخاط. قالت إنها سوف تعد معي آيس كريم البرتقال، وكانت تحمل في يدها كيسا شبكيا مليئا بالبرتقال وفي اليد الأخرى قالبا ضخما من أفضل آيس كريم في موسكو. قالت إننا بصدد عمل مهم. ولم تكن لديّ القوة على مجادلتها أو الرغبة في ذلك. ثم إنني لم أكن أعددت أو أكلت آيس كريم البرتقال من قبل، فلم يكن واردا أن أقول لا. نهضت من مخبأي وحينها فقط أشارت أولجا إلى حالتي المزرية. قالت “اذهبي فاغسلي وجهك يا حبيبتي. لا نريد أن يقع المخاط على الآيس كريم”.

هكذا تعدِّين آيس كريم البرتقال: تقطعين البرتقالة نصفين، وبالملعقة تفرغينها بحرص من لحمها وتزيلين القشر والبذر كله من الفصوص. ثم تمزجين الآيس كريم بمكعبات البرتقال النظيفة، وتضعين المزيج في أنصاف البرتقالات الفارغة، وتنثرين فوقه بعض الشوكولاتة، وتضعين ذلك كله في الثلاجة. ولم يكن في ثلاجتنا الصغيرة متسع فكان علينا أن نخرج مؤقتا  دجاجة كاملة ولوحا من دهن الخنزير. قالت أولجا إن الآيس كريم سوف يحتاج ساعة على الأقل في الثلاجة، وإن أفضل طريقة لقتل الوقت هي قراءة كتاب. كان جدي يقضي قيلولته على الأريكة، وجدتي تطهو العشاء، ودخلت أمي وأولجا إلى غرفة النوم ليتكلما. أخذت كتابا وجلست على سجادة الصالة أقرأ، وبعد عشر دقائق كنت أطرق باب غرفة النوم لأسأل إن كانت الساعة مرت. صاحت أمي “لا. اذهبي”. وكان لا بد من أربع محاولات أخرى قبل أن يخرجا أخيرا. رأيت أن أولجا كانت تبكي، وأن أمي مصدومة تماما، لكنني لم أكترث. كان آيس كريم البرتقال يثيرني إلى أقصى حد.

ولم يحبطني. كان آيس كريم البرتقال بكرستالات البرتقال اللامعة في كؤوسه المدورة شديد البرودة لدرجة أن يخدر الأنامل. حاولت مرات كثيرة بعدما كبرت أن أعده، وكل مرة كان ينتهي فاتر الطعم، خفيف القوام، مقرفا إلى أقصى حد. ولكنه يومها بدا لي سحريا. قلت إنه أفضل شيء أكلته في حياتي واحتضنت أولجا. كنت أتمنى لو أن أمي كانت أكثر شبها بأولجا، بما فيها من طيبة وجمال ورائحة برتقال ـ وأقل شبها بأمي بغضبها وشعرها المتساقط. ولكنني كنت يومها في الثامنة من العمر وقد فقدت بعض قسوتي، فقررت ألا أخبر أمي بذلك.

قالت أمي لجديَّ ولي بعدما ذهبت أولجا “لا بد أن أخبركم بشيء، ويستحسن أن تجلسوا”. كان جداي ينقلان الأطباق إلى المطبخ، وكنت جالسة على الأرض، محاولة بناء قلعة من كؤوس البرتقال الفارغة.

قالت أمي “أولجا لديها عشيق” وجذب ذلك اهتمامنا.

شهقت جدتي وتجمَّد جدي وفي يديه كأسا نبيذ.

“اسمه ساشا”.

أشارت جدتي إليّ تنبه أمي إلى حضوري وانتباهي، فهزت أمي كتفيها. لم تكن لديها مشكلة قط في أن أقرأ ما أريد أن أقرأ أو أشاهد أفلام الكبار أو أنصت إلى النمائم. ومع أنني لم أكن أعرف أي شيء عن الجنس، فقد كنت أفهم ما ينبغي فهمه عن العشاق. يقع الناس في حب ناس وهم متزوجون من ناس آخرين. وحينما يحدث ذلك، فإنهم يريدون أن يقبِّلوا من يحبونهم بدلا من أن يقبِّلوا أزواجهم، ويكون عليهم أن يكذبوا لكي لا يتأذَّى أزواجهم. أغلب الأفلام التي كنا نشاهدها، وأغلب الكتب التي كانت على أرففنا، كانت تحتوي تلك الحبكة، فكنت أفترض أن الأمر شائع بعض الشيء. كان واضحا أن الموقف محزن، فالذين يتورطون فيه غالبا ما يبكون أو يصرخون أو يتورطون في شجارات بالأيدي، ولكنه لم يكن خارجا عن المعتاد. بل إنني في الحقيقة كنت قد جمعت أكثر من خيط جعلني أشك أن هذا بالضبط ما حدث لأبي قبل أن يتركنا.

وها هو حدث مع أولجا. وتساءلت إن كانت هي والرجل قد تبادلا قبلة بالفعل.

قالت أمي “تمام. ليست هذه هي الحكاية كلها. عشيق أولجا أصم  وأعمى”.

حينذاك كان لزاما على جدتي أن تجلس.

سأل جدي “كيف يمكن أن يكون أحد أصم وأعمى؟”

قالت ماما “عادي. لا يسمع، ولا يرى”.

وحينذاك بدأت أضحك. أخذت أضحك وأضحك وأضحك إلى أن اضطرت أمي أن تصفعني.

كان هناك المزيد من الأسئلة.

كان جدي يريد أن يعلم إن كان ساشا متزنا عقليا. قالت أمي “نعم. أكثر من متزن. عنده دكتوراه في الفلسفة”.

أرادت جدتي أن تعلم متى وأين قابلته أولجا. منذ شهر. في مؤتمر في بطرسبرج حول فلسفة الإدراك. كان ساشا هو المتحدث الرئيسي.

“المتحدث؟، وكيف هذا؟” سأل جدي.

قالت أمي “كان يستعمل لغة الأيدي، يا بابا”

“كيف؟”

بدا كأن أمي توشك أن تصفع جدي مثلما سبق وصفعتني. ولكنها أجابت سؤاله بدلا من ذلك. “تمسك يد شخص وتلمسها بطريقة معينة. اللمسات المختلفة تعني حروفا مختلفة”.

هزَّ جدي رأسه، وقال “مسكين زوجها. يكفي الرجل أن تخونه زوجته، أما أن تخونه مع رجل أصم وأعمى!”

همست جدتي “نحن لا نختار من نحبهم”.

قالت أمي “هذه مجرد واحدة من نزواتها. لا أعطيها أكثر من شهر”.

وبالطبع لم ينته الأمر في شهر. أو في ستة شهور. أو في أحد عشر شهرا.

لم نر أولجا طوال تلك الفترة. لم تأت إلى موسكو كثيرا، وحينما كانت تأتي، كانت تقضي وقت فراغها مع ساشا. لكنها كانت تتصل بأمي بين الحين والآخر وتقضيان وقتا طويلا، طويلا، على التليفون. وكنت وجداي نشغل أنفسنا في أي شيء منتظرين أن تنتهي المكالمة لتوجز لنا المحادثة. وكل مرة، كانت تبدأ بقولها “الظاهر أن الحكاية لم تزل مستمرة”.

كانت أولجا تتوسّل إلى مديرها كلما أمكنها ذلك لكي يبعثها في مهمة عمل إلى موسكو. ولم يكن يوافق بدون رشوة. أعطته مرة تذاكر للمسرح، ومرة أخرى زجاجة كونياك غالية، ومرة طالبها أن تترك له مكانها في قائمة الانتظار لكي ليشتري طقما مستوردا لغرفة الطعام. وهل كانت لتكترث أصلا بمائدة وبضعة كراسي؟ لم يكن يعنيها إلا ساشا. ألم تكن تكترث لزوجها أيضا؟ بالطبع كانت تكترث به. كانت تشعر تجاهه بميل واحترام! كان يؤلمها كثيرا أنها مضطرة للكذب عليه. وفي بعض الأحيان كانت ترجع من موسكو في قطار الليل فتجده بانتظارها في محطة القطارات وفي يده باقة زهور. فلم يكن وقع هذا عليها إلا رهيبا!

“’هذا الرجل يسحقني بطيبته’”، هكذا كانت أمي تقول لنا بابتسامة ساخرة. كانت تنقل الكلام عن تشيخوف من قصة “الجرادة”، ولا أقول طبعا إنني كنت أعرف ذلك في حينه.

لا، لم يشك زوج أولجا في أي شيء على الإطلاق. ولم تفهم أولجا كيف يمكن أن يكون ذلك. كانت زوجته متيَّمة بحب رجل آخر ولم ير أي إشارات؟ في بعض الأحيان كان ذلك يغضبها. ألم يكن يعني أنه لا يهتم بأن يعرفها أو بأن يفهمها؟ لو كان فعلا يحبها للاحظ أن هناك خطبا ما. كانت أولجا تشعر في بعض الأحيان بغيظ هائل لدرجة أن تشعر برغبة جارفة في إيذائه بدنيا، كأن تصفع وجهه بباقة الزهور البائسة.

قالت أمي مرة إن لديها تفسيرا، تفسيرا لاختيار أولجا رجلا أصم  وأعمى. لم يكن الحب. ليس الحب. أولجا كانت لديها دائما الرغبة في إنجاب طفل، فذهبت وعثرت على رجل يعتمد عليها اعتمادا كليا. كأنه طفل، فاهمين؟ كان يبدو على أمي الشر وهي تقول هذا، ولم يقتنع جداي بتفسيرها.

خلال تلك السنة فكرت كثيرا في كيفية حب شخص أصم وأعمى، أو بالأحرى في ما يمكن أن يكون عليه حال من يكون أصم  وأعمى. كنت أغمض، وأضع أصابعي في أذني وأحاول أن أسير. كان الأمر أسهل مما تصورت، لكنني كنت أصطدم حتما برف الكتب أو طرف مائدة الطعام. كنت أصرخ من الألم فأفتح عيني ويعود العالم من جديد آمنا وطبيعيا. لكن ساشا لم يكن يملك أن يفعل ذلك. لم يكن بوسعه أن يفتح عينيه ببساطة ويخرج أصابعه من أذنيه فيسمع ويرى، فمها بلغ منه الفزع كان عليه أن يبقى في صمته الأسود. فكرت أن الصم العميان لا بد أن يكونوا على قدر استثنائي من الشجاعة.

قالت أولجا لأمي ذات يوم في مطلع مارس “لا أعتقد أنني سأحتمل هذا الوضع أكثر مما احتملته”. ما كان يقتلها هو مدى صعوبة تواصلها مع ساشا حين لا يكونان معا. لم يكن ساشا يستطيع أن يتصل بأولجا بسبب زوجها، لكن أولجا كانت تستطيع كثيرا أن تتصل هي به. وكان أندريا يساعدهما في العادة، أندريا السكير شريك ساشا في السكن، وهو أيضا أعمى لكنه ليس أصم تماما، فيمكن أن يكلم ساشا بالأيدي ثم يترجم لأولجا. لكنه لم يكن يستطيع أن ينقل بينهما إلا المعلومات المحددة، وليس المشاعر! كان رجلا وقحا، قذر التفكير، سكران أغلب الوقت! وكان يسخر من أولجا حينما تطلب منه أن يترجم إلى ساشا مدى اشتياقها إليه، ولا يقول مطلقا إن ساشا مشتاق إليها. ولم تكن ساشا تعلم هل يتعمد أندريا ألا يترجم هذا، أم أن ساشا لا يقول إنه يحبها خجلا من وجود أندريا. وفي نهاية المكالمة كانت أولجا تطلب من أندريا أن يعطي السماعة لساشا حتى تسمع أنفاسه. في بعض الأحيان كانت أولجا تغني له. كان ساشا يقول إنه يستطيع ـ برغم صممه ـ أن يشعر بالذبذبات. وكانت أولجا تحفظ الكثير من الأغنيات الحزينة فكانت تغنيها له بأعلى صوت ممكن. ولكن تلك الأغنيات كانت أرقى كثيرا من قدرة أندريا السقيمة على الترجمة. وليت الاتصال التليفوني كان جيدا! في بعض الأحيان كان الاتصال ينقطع في منتصف الأغنية، وتجد أولجا نفسها وحيدة تماما، على بعد مئات الأميال من ساشا، جالسة على مقعد خشبي منخفض في ركن مظلم في شقتها والسماعة القديمة المزيتة تصفر في أذنها كأنها إنذار غاضب، فيحملها كل شيء على تمني الموت.

قالت لنا أمي بعدما حكت عن الاتصال السيء إن “النهاية تقترب”. لكنها لم تأت.

بعد أسبوعين اتصلت أولجا بأمي مرة أخرى، من موسكو هذه المرة، وقالت إنها استقالت من عملها وتركت زوجها وجاءت لتكون مع ساشا إلى الأبد.

قالت أمي بصوت مرتعش مرتفع النبرات “ستقابلونه بعد أسبوعين. سوف تصطحبه أولجا على العشاء”.

وبدأت أصيح “أصم  وأعمى! أصم وأعمى! أصم وأعمى قادم على العشاء!”.

بالمصادفة اتصل أبي وقال إنه يريد أن يصطحبني للتزلج في السابع من ابريل، أي اليوم المحدد لزيارة أولجا وساشا. قلت لا. من يريد التزلج؟ إن رجلا أصم وأعمى قادم على العشاء.

لا أستطيع ولا أرغب أن أصف سعادة قولي هذه الـ”لا”. سأبقى من أجل هذه الـ لا مدينة لأولجا وممتنة إلى الأبد.

في يوم زيارتهما امتلأت شقتنا كلها بدوي الضربات. ذلك كان صوت أمي وهي تدق شرائح اللحم البقري بمطرقة اللحم. كنا قد قرَّرنا أن نقدم لساشا وأولجا أفخر ما نعرف من وجبات: سلاطة أوليفييه واللحم على الطريقة الفرنسية. فكان لا بد من دق اللحم بقوة ليصلح للطريقة الفرنسية. وكنت أريد بشدة أن أدق أنا أيضا اللحم لكن مهمتي اقتصرت على تقطيع البطاطس والبيض للسلاطة.

كانت جدتي تلمّع الفضيات وتمنح كؤوس الكونياك تلميعة إضافية.

أرادت أن تعرف “أليس هناك خطر من استعمال الكؤوس الجيدة؟” فزمجرت أمي ودقت على اللحم بالمطرقة.

“هل يجيد استعمال الحمام؟” كان ذلك سؤال جدتي الثاني.

“أرجوك كفي”. توسلت إليها أمي. أما جدي ففكَّر في ما هو أهم. قال إنه كلما استعمل المرحاض سألته جدتي إن كان أعمى، طيب، هذا الرجل أعمى فعلا.

ولم يكن موضوع المرحاض هو الذي شغل جدي أكثر من سواه. سأل “كيف سنتكلم معه؟”

قالت أمي “يعني، أولجا تعرف لغة الإشارة، أتصور أنها سوف تتكلم معه باليد لتخبره بما نقول له، ثم تترجم لنا ردوده”.

لم يبد هذا مناسبا لجدي. فقد كان أكثر ما يحبه هو أن يثير الإعجاب في من يقابلهم للمرة الأولى. لم تكن لديه دراية خاصة بالسياسة أو الثقافة، ومع ذلك كان يحلو له أن يعلن آراءه في هذه المواضيع بصوت مدوٍّ مع إمالته حاجب عينه اليمنى بجدية تستدعي الانتباه والاحترام. كان جدي يخشى عن حق من أنه بدون القوة المضافة من حاجبه الأيمن وصوته لن يستطيع إثارة إعجاب ساشا بمجرد فحوى آرائه. وأخيرا انتهى إلى أن قضى في المرحاض وقتا غير قليل وهو يتصفح أعدادا حديثة من برافدا راجيا أن يؤسس آراءه بحيث يتسنى لها الصمود بمفردها.

ثم حان الدور علي لكي أطرح سؤالا، فاستعملت رخصة الأطفال لأنطق بما كان في أذهان الجميع. “أهو شخص مخيف؟”

“لا، طبعا لا” قالت جدتي فلم تطمئني كثيرا.

وقالت أمي “عليك أن تخجلي من نفسك”.

وخجلت. وقررت حتى لو كان ساشا شخصا مخيفا أن أتظاهر أنه ليس كذلك، من أجل أولجا.

ألا تكرهون تلك الدقائق الطويلة بين الموعد الذي يفترض أن يصل فيه ضيوفكم واللحظة التي يدقون فيها الجرس بالفعل؟ تشتهر النساء في عائلتي بأنهن يسبقن الجدول، فكانت كل الاستعدادات قد اكتملت. اللحم على الطريقة الفرنسية جاهز وساخن في الفرن. والسلاطة مخلوطة ومزينة بشرائح الجزر المسلوق. والقطع الباردة مرتبة وفقا لترتيب لونيٍّ صارم. والجميع استحموا وصففوا شعرهم وارتدوا أفضل ثيابهم. ولم يبق من شيء نفعله إلا أن ننتظر.

في أيامنا هذه عندي السوشيال ميديا تملأ هذه اللحظات. كل ما عليَّ هو أن أحدِّث الصفحة وأن أقتل الوقت دقيقة سخيفة إثر الأخرى. ولكن أيامها ما الذي كان يمكن أن أفعله؟ ظللت أجري في دوائر بين شباك المطبخ الذي كان يمكن أن ألمح منه المحطة التي سوف تنزل فيها أولجا وساشا من الأتوبيس، ثم باب الشقة الذي لو وضعت أذنك عليه لسمعت صوت المصعد أثناء صعوده. وهذا ما كنت أفعله دائما حين كان يفترض أن يأتي أبي ليأخذني. فكانت أمي تقول لي في هذه الحالات “كفى، شكلك في غاية البؤس” مع أن شكلها هي هو الذي كان يبدو عليه البؤس. تجرِّب فساتين مختلفة قبل زيارة أبي، وتصفف شعرها بهذه الطريقة وتلك، وتضع زينتها وتزيلها، ثم تسارع إلى الاختباء في غرفة النوم بمجرد أن تسمعني أصيح “بابا طالع”.

ضاعت عليَّ النظرة الأولى إلى ساشا وأولجا. فاجأني رنين الجرس، وأنا جالسة على المرحاض، والكيلوت حول ركبتي. صحت “لا. لا تفتحوا قبل أن أخرج”. كان من أكثر ما يثير حرجي أن يأتي الضيوف وأنا أستعمل المرحاض. لا سيما هذا المستوى الرفيع من الضيوف. لكن أمي طبعا فتحت الباب. فمن الذي ينصت لطفل يطلب شيئا وهو في المرحاض؟

اتخذت من جدتي ترسا وخرجت من المرحاض مختفية وراءها. لم نكد نصل إلى نهاية طرقتنا الضيقة إلا وكان ساشا وأولجا قد خلعا معطفيهما وأخذا يمسحان حذائيهما بقوة في الممسحة. كان ساشا أقصر من أولجا وأضخم، وذا وجه مربع لين. عيناه نصف مغمضتين كما لو كان يركز النظر. كانت أولجا تمسك يده اليسرى، وتناوب الجميع على مصافحة يده اليمنى، ونطق هو اسم كل واحد بطريقة ممطوطة متعبة. تقدمت. فانحنت أولجا لتقبلني وقالت إنها أخبرت ساشا بأنني أحب شخص إلى قلبها في الدنيا كلها وأنه كان متلهفا على مقابلتي. رأيت أنها لم تكن تمسك يد ساشا وحسب، بل تداعب أصابعه. ثم خطر لي أن هذه هي لغة الإشارة. أن أولجا كانت تكلم ساشا طول الوقت.

مدَّ ساشا يده اليمنى أمامه، ووضعت يدي في يده. أغلق يده على أصابعي وابتسم لشيء ما ورائي. التفت فلم أجد شيئا إلا ثلاجتنا الهادرة وفوقها كومة من العلب الخاوية. أخذت أولجا يده اليسرى ووضعتها فوق رأسي، فأنزل عينيه حتى أوشكتا أن تلتقيا بعيني. هناك تعبير يستعمله الناس حينما يعترض شخص مجال رؤيتهم “إيه، أتظن نفسك من زجاج؟” لكن ساشا كان ينظر من خلالي إلى ما ورائي كما لو كنت مصنوعة فعلا من زجاج. خفت وأردت أن أختبئ، لكنني رأيت أن أولجا تنظر إليّ، فابتسمت واعتصرت يد ساشا. صاح باسمي وأشار بشيء لأولجا. ترجمته بأن ساشا سعيد فعلا، فعلا، بمقابلتي. وكنت أعرف أن هذا صحيح لأن ابتسامتها كانت مشرقة وهي تقول ذلك. أو ربما كانت ابتسامتها المشرقة أول الغيث.

قال جدي بصوته الفخم “وجهك منوَّر يا أولجا”. ووافقت جدتي على ما قال. وطلبت أمي من الجميع أن يتبعوها إلى المائدة.

تبيَّن أن سلاطة أوليفييه أقل من طعام مثالي لشخص أعمى. فكل مكعبات اللحم والخضراوات الزلقة صعبة التقطيع تراوغ الشوكة، وتتناثر في الطبق, فكان على ساشا أن يطارد تلك المكعبات، وهو ينقر بشوكته في سطح الطبق كما لو أنها عكاز على الرصيف. وصار كلما قنص مكعبا، تناول رشفة من الكونياك، كأنما على سبيل الاحتفال. لم أقو على رفع عينيّ عنه، برغم معرفتي أن ذلك ينافي الأدب. وظللت أقول لنفسي “اخجلي من نفسك”.

في أول الأمر، تركت أولجا ساشا لطعامه بينما تولَّت هي الكلام كله.

لا، ساشا لم يولد أصم وأعمى. فقد بصره وسمعه وهو في سن الرابعة، بعد صراع طويل مع الالتهاب السحائي. رفض والداه اعتباره معاقا. فعلماه الاعتماد على نفسه بقدر الإمكان. ثم أرسلاه إلى مدرسة خاصة للأطفال الصم والعميان. وكانت بالفعل مدرسة ممتازة، وأثبت ساشا أنه تلميذ متفوق. كان واحدا من أربعة خريجين فقط دعتهم جامعة موسكو للدراسة فيها. أولجا كانت تحكي هذا وقد ارتسم على وجهها اعتزاز مماثل للذي كان يرتسم على وجه أمي وهي تكلم الناس عن منجزاتي. جميع أولئك الخريجين الأربعة واصلوا تعليمهم حتى حصلوا على دكتوراه الفلسفة، لكن ما أنجزه ساشا كان لافتا بصفة خاصة، فقد كان الوحيد في المجموعة مكتمل العمى والصمم. فأندريه شريك ساشا في السكن على سبيل المثال كان يسمع جيدا بالاستعانة بسماعة. تخيلوا كم كانت الدراسة أيسر بالنسبة له. لم يكن من العدل أن يقارن مهنيا بساشا.

قال جدي وهو يحرك حاجبه الأيمن بطريقته الملفتة “طبعا، ليس من العدل. في الواقع، قرأت أخيرا في برافدا …”

ولكن ساشا ـ الذي ما كان بوسعه أن يعرف أن جدي يتكلم ـ قاطعه. قام بسلسلة حركات عاجلة بأصابعه، وقالت أولجا إنه يريد أن يشكرنا على الطعام. كان كل شيء طيب المذاق، واللحم بالذات. وأراد أن يعرف المكونات السرية.

قالت ماما إن “المكون السري هو الدق الكثير”.

ترجمت أولجا كلامها لساشا، بل قرصت يدها بقبضتها مرات عديدة. وعند ذلك ضحك للمرة الأولى. بدا ضحكه أشبه بسلسلة تأوهات متلاحقة، ولكننا سعدنا جميعا أنه استطاب الطعام وخفة دم أمي. (ولم يكن الجميع يستطيبونه).

بنهاية العشاء، كان ساشا قد بدأ يكثر في الكلام. ولو أن الكحول يحل عقدة اللسان، فلعله يحل عقدة الأصابع أيضا. صار يغرس أصابعه في لحم راحة أولجا بسرعة مدهشة ومضت هي تترجم لنا. تكلم عن الروائح ومدى أهميتها له، وكيف علم أننا طيبون من الدفء والمودة في رائحة شقتنا.

همست ماما “هذه رائحة اللحم” لكنني رأيت على وجهها أنها سعيدة. تكلم عن الغابات التي كانت أمه تصطحبه إليها وهو طفل. كانت تأخذه إلى شجرة أو شجيرة وتطلب منه أن يلمسها، وتعلمه كيف يقطف التوت البري. تعلم كيف يعثر على الفراولة البرية بيديه. أولجا لم تكن جربت الفراولة البرية قط، لكن في يوليو الماضي، حينما زارت موسكو، أخذها ساشا إلى الغابة وعلمها كيف تعثر عليها.

ثم قال شيئا آخر، وأردت من أولجا أن تترجمه، لكنها قالت إنها لا تستطيع، فهذا كثير وأغلبه خاص. والتمعت في عينيها دموع. بغتة جذبت يدي ساشا وقبلتهما.

في تلك اللحظة شعرنا جميعا بشيء في الغرفة. أو أنني لست متأكدة من أمر جدي، لكن أنا شعرت، وأعرف أنا ماما أيضا شعرت. بدا وكأن شيئا هائلا وجليلا نما من مائدتنا، وارتقى، أعلى فأعلي، كما لو كان كاتدرائية تشق السماء.

كان شيئا غير أي شيء عرفته في حياتي حتى ذلك الحين.

ليتني أقدر أن أقول إنني أدركت ماذا يكون هذا الشيء، لكنني لم أدركه. ما شعرت به كان رهبة خالصة، لا يثقلها الفهم.

قالت جدتي بعدما ذهبا. “فعلا الحب أعمى”.

مزح جدي “وأصم أيضا”.

أما ماما فلم تقل شيئا. دخلت غرفتها وأغلقت على نفسها الباب. ذهبت وراءها. لم تكن فتحت النور فلم أستطع أن أرى أي شيء، لكنني سمعت بكاءها. مشيت إلى سريرها ومددت يدي أريد أن أتحسس الدموع. فلم أجد غير وجه، مبلول تماما، وزلق، وغارق في الدموع.

همست “تعالي”. صعدت إلى السرير واحتضنتها من ظهرها بأقوى ما استطعت. أخذت أبكي أنا الأخرى دافنة وجهيي في كتفيها، وكانا دافئين ويرتعشان. حاولت أن أشدد حولهما ذراعي ليتوقفا عن الارتعاش، لأعزيها عما تشعر به.

أشفقت لحالها. لكن حبي لها كان أكبر من الشفقة. أحببتها في تلك اللحظة لدرجة حبست أنفاسي. وأمر آخر: في تلك اللحظة، شعرت بقربي منها قربا جديدا علينا. لا قرب طفلة، بل قرب امرأة ناضجة، قرب ند.

ساشا وأولجا تزوجا في آخر السنة، بمجرد طلاق أولجا. وفي حدود ما أعرف، عاشا سعيدين بعد ذلك إلى أن فرَّق بينهما الموت. أولجا هي التي ماتت. كانت في الثانية والأربعين فقط. سرطان. دائما السرطان هو السبب عند موت النساء في هذه السن. وفي غضون سنة تزوج ساشا. والغريب أن زوجته الثانية تركت  هيةالأخرى زوجها من أجله.

أما ماما، ماما لم تتزوج مرة ثانية قط.

ـــــــــــ

نشرت القصة في عدد 24 ابريل 2017 من مجلة نيويوركر، ونشرت الترجمة في العددين الحالي والسابق من ملحق شرفات

لارا فابنيَر (1976 ـ ) كاتبة أمريكية من أصل روسي تعيش في الولايات المتحدة . صدرت لها ثلاث روايات ومجموعتان قصصيتان. بدأت النشر في عام 2002 وحصلت على زمالة جوجنهيم وتعد حاليا أطروحة الدكتوراه في الأدب المقارن، وتعمل بالتدريس في جامعة كولمبيا.

عن موقع الشاعر والمترجم أحمد شافعي:

http://readingtuesday.blogspot.com.eg