مصارعة النمر

صدر هذا الشهر العدد الجديد من مجلة «أ» عن الجامعة الأمريكية بالقاهرة. العدد الذي يحمل رقم ٣٧ في الدورية الأكاديمية الرصينة يحمل ملفًا رئيسيًا بعنوان «الأدب والصحافة» حيث يتناول كتاب العدد العلاقة بين الأدب والأشكال الصحفية المختلفة كالمقابلة، والصحافة الاستقصائية، والسرد الخبري الإبداعي، وغيرها.

ترأس تحرير «أ» الدكتورة فريال غزول، وأشرفت على تحرير هذا العدد د. هالة حليم من جامعة نيويورك، هنا شهادتي بالعدد.

 مصارعة النمر

عزت القمحاوي

أذكر تلك اللحظة جيدًا.

في ثاني حصة «تعبير»  بالصف الأول الثانوي، كنت منزويًا بخجل طبيعي وخوف مكتسب من أستاذ اللغة العربية خلال المرحلة الإعدادية الذي أوشك على النجاح في إفقادي ثقتي بنفسي وتحطيم كل إرادة لغوية أمتلكها.

كان ولعي بالقراءة قد بدأ في تلك السن، وبدأت أخربش في دفتر أحتفظ فيه ببعض العبارات من تأليفي، ولم يكن السرد شاغلي، بل الحكمة! على أية حال كان هاجسي التأليف، ومع ذلك واظب  مُعلم اللغة العربية على إعطائي درجات متدنية لإجباري على الانضمام إلى مجموعات التقوية المدفوعة، وبقيت على عنادي، كنت واعيًا في تلك السن الصغيرة بأن تلقي دروس خاصة في اللغة العربية بالذات مسألة تتعلق بالشرف!

كانت آفة الدروس الخصوصية قد بدأت تسللها إلى التعليم، وكان المدرس اللحوح يُصر على كسر عنادي من خلال تخفيض تقييمي ومعاملتي بخشونة خلال الحصص المدرسية، لكن نتيجة السنة الثالثة «الشهادة» التي لا يد له في تصحيحها أنعشت آمالي مجددًا، دون أن أتخلص من الخوف الذي زرعه بداخلي على مدى ثلاث سنوات.

ثم كانت اللحظة المباركة!

***

كان يومًا من شتاء ١٩٧٦، وكان الشتاء المصري لم يزل مخلصًا لطبائعه: غزارة المطر وشدة البرد والضوء الشحيح في النهار. وكان الأستاذ محمد جميل الشهير بالعجواني ينادي على أسماء الطلاب، ويُعلن الدرجة التي منحها لكل منهم على موضوع الإنشاء الذي كلفنا به في الحصة السابقة. وانتهى من النداء على كل الأسماء ولم يُعلن اسمي؛ فاختلط على جسدي انكماش البرد مع انكماش الخوف. ومرت لحظة طويلة على روحي. وأخذ الأستاذ نفسًا عميقًا ثم نادى باسمي وطلب مني الوقوف، وطلب من الزملاء التصفيق لي، وأشار لي لأجلس، فتهاويت مندهشًا مضطربًا مما جرى، وشرع يقرأ عليهم ما كتبتُ!

كانت هذه لحظة ميلادي التي وعيتها على يد أستاذ كان وجوده عاديًا في أزمنة سابقة، لكنه على زمني بدا هاربًا من تلك الأزمنة من أجلي أنا. كان مُعلمًا وخطيبًا للجمعة ورسامًا وناظمًا للشعر ومتحمسًا للسهر والمتعة. وقد صار صديقي بعد تلك الحصة، وصرت أستعير الكتب من مكتبته وأقرأ عليه ما أكتب، وهو الذي عرّفني بوجود كلية اسمها «الإعلام» ووجهني إلى دخولها.

***

رغم كل فطنته، لم يكن بوسع أستاذي أن يُفرِّق بين الصحافة والأدب، وبالتبعية لم أنتبه أنا كذلك إلى الاختلاف الذي يصل إلى حد التصادم بينهما.

 وقد عرفت متعة رؤية اسمي مطبوعًا مرة أو مرتين كل أسبوع خلال مرحلتي الثانوية، إذ بدأت بمراسلة جريدة الجمهورية بأراء في الفن والاقتصاد والسياسة، وكان محسن محمد الذي تولى رئاسة تحرير تلك الجريدة قد أدخل الكثير من ملامح التطوير عليها، ومنها إفساح مساحة أوسع لآراء القراء، دون أن يضعها في باب واحد يحمل عنوان «بريد القراء» بل كانت الآراء توزع موضوعيًا حسب الصفحات؛ الرأي الفني في صفحة الفن، الاقتصادي في صفحة الاقتصاد، وهكذا. أتاحت هذه الطريقة لتوقيعي أن يظهر وسط توقيعات محرري الجريدة؛ فأشعر بأنني واحد منهم.

لم يكن ما أرسله يتعرض للاختصار إلا نادرًا، وكان هذا النجاح مرضيًا لي ولأستاذي الذى رأى رهانه يتحقق تحت ناظريه.

***

في صيف ١٩٧٩ أنهيت المرحلة الثانوية، واخترت كلية الإعلام دون تفكير، وعندما تلقيت خطاب الترشيح للكلية ذهبت إلى جريدة الجمهورية: «أنا من يراسلكم من الشرقية» وهكذا دخلت إلى عالم الصحافة قبل أن أدخل الجامعة بأسابيع. وفي فترة التدريب انكشف أول أدلة الشقاق بين الصحافة وبيني.

اكتشفت أن الصحافة ليست مجرد كتابة رأي، وأن هذا الذي منحتني الجريدة إياه بتسامح كان واجب ضيافة تجاه ضيف عابر،  لكن كتابة مقالات الرأي بالنسبة للصحفي الممارس للمهنة هي نهاية المطاف. عليه في البداية أن يجلب الأخبار ويشارك في التحقيقات، بل إن من يختتمون حياتهم بكتابة الرأي هم قلة، بينما ينهي العديد من الصحفيين خدمتهم دون أن يصلوا إلى كتابة مقال الرأي أو العمود الصحفي.

وأخذت أحضر اجتماعات التحرير، وفي كل مرة يحملني الخجل إلى الهروب من التكليفات التي تجعلني أطرق أبواب المصادر، خصوصًا إذا كانت مصادر حكومية لا أضمن طريقتها في استقبال الصحفي، ووجدت من الأفضل العمل في قسم الإخراج الصحفي، وهذا هو التخصص الذي مارسته منذ ذلك الوقت حتى نهاية التسعينيات منذ أول محطة تدريبة في «الجمهورية» مرورًا بعدد  من الصحف الحزبية التي شاركت في إخراجها وانتهاء بمؤسسة «أخبار اليوم» التي انتقلت إليها فور تخرجي في كلية الإعلام عام ١٩٨٣وأعمل بها إلى اليوم.

 المخرج في الصحيفة شخص قيادي، يتعامل مباشرة مع رئيس التحرير؛ حتى في مرحلة التدريب. هذا أتاح لي الفرصة لاستئناف الكتابة في الصحافة بوصفي كاتب رأي، كلما صادفت رئيس تحرير متفهمًا.

وفي الوقت الذي كنت أواصل فيه الكتابة في الصحف علنًا، والقراءة وكتابة المحاولات الأدبية سرًا، كانت الفروق بين الصحافة والأدب تتكشف أمامي تدريجيًا؛ فروق تتعلق بالمتطلبات النفسية والحياتية لكل منهما بما يجعلهما أقرب إلى العداء، وفروق في اللغة واستراتيجيات السرد، بما يجعلهما متنافرين إلى حد كبير؛ رغم اشتراكهما في استخدام أداة واحدة هي اللغة.

***

من حيث المواصفات النفسية والاجتماعية؛ تتطلب الصحافة روحًا خارجية، مندفعة تجاه الآخر، تسعى لإجراء اللقاءات مع البشر والتعرف بأكبر عدد ممكن من ذوي الصلة بالتخصص الذي يغطيه الصحفي.

في هذه المهنة تُعد قائمة أرقام الهواتف التي يملكها الصحفي من أهم معايير نجاحه. والأهم من ذلك تتطلب الصحافة روحًا رحبة قادرة على ممارسة قدر من التملق، أهونه تملق القارئ، ثم تملق رئيس العمل، وأخطره تملق السلطة.

في المقابل، يطلب الأدب روحًا داخلية تقاوم ذلك الاندفاع إلى الخارج، وتتفنن في الدفاع عن عزلتها، ولا يتطلب الأدب من الكاتب سوى إرضاء روحه والإخلاص لها. وشخص بهذه الروح يعيش في الصحافة متألمًا كشخص يجد نفسه في حفلة لم يدع إليها.

 لا يقتصر الأمر على القلق الذاتي الذي يعانية الغريب في الحفلة؛ بل إنه يظل محل ريبة، ويظل وجوده مقلقًا للآخرين، وعليه أن يبذل مجهودًا نفسيًا وعصبيًا كي يخفي اختلافه، لكن يجب عليه في ذات الوقت الحفاظ على هذا الاختلاف، من أجل إرضاء الأدب الذي يأنف من الروح الخارجية.

ربما كان الأمر مختلفًا، بل يقينًا كان مختلفًا في صحافة النصف الأول من القرن العشرين التي ازدهرت في حضن الأدب وتغذت من أقلام الأدباء والمفكرين، من علي يوسف وسلامة موسى إلى محمد حسين هيكل وطه حسين والعقاد، لكنني ابن مدارس زمني التي عز فيها الأساتذه وصحافة زمني التي انفصلت عن الأب الأدبي برغبة دفينة في قتله.

***

 لم تكن المعرفة بالفروق بين الصحافة والأدب التي تكشفت أمامي، كافية بحد ذاتها لكي  أقرر تغيير طريقي. رغم الإدراك هناك الضعف الإنساني، وضرورات وجود مهنة ما يعيش منها محب الأدب، وهناك الظروف المحيطة، ولم أمتلك إرادة اختيار قوية، تستطيع الانتصار على كل أشكال الضعف الداخلي والقهر الواقع من الخارج.

تخرجت في كلية هيأتني لهذا العمل، وكانت هناك عوامل تدفعني باتجاه اللمعان الصحفي، منها مثلاً سهولة رؤية اسمي مطبوعًا، ومنها أننا نعيش في مجتمع لا تتحقق فيه العدالة من تلقاء ذاتها، وهناك العديد من الضعفاء في العائلة وفي القرية التي أنتمي إليها يحتاجون إلى الصحفي للدفاع عنهم وإنجاز معاملاتهم في دواوين الحكومة، أو من أجل إقرار حقهم المشروع في تلقي العلاج عندما يمرضون، وهؤلاء يقفون بيني وبين روحي الأصلية؛ روحي الأدبية التي تنشد العزلة دون أن أنكر عليهم آمالهم التي يعلقونها على ابن نبغ وصار لسلنهم!

 هكذا عشت مرتبك الخطوة كالغراب الذي يحاول أن يخطو كالحجلة، أندفع حينًا باتجاه صنع اسم في الصحافة، ثم أجد أن هذا لا يرضي روحي فأعود إلى عزلتي أحيانًا بإرادتي واختياري، وأحيانًا بقوة ريبة الآخرين وحنقهم على غريب يحتفظ بملابسه على شاطئ العراة.

***

بالنهاية بقيت عالقًا بين العالمين!

ولم يكن عليّ احتمال العيش بإحساس المتطفل على حفل فحسب، بل كان ينبغي أن أتعامل  مع  اختلافات الأسلوب واستراتيجيات السرد كأمر واقع، وأحاول أن أقلل من غربتي في الصحافة وألا أخون الأدب.

 تشبه الكتابة للصحافة السير في الطريق السريع «الأوتوستراد» حيث يجب أن تكون الفكرة واضحة، بسيطة، كاملة، وتمضي في خط مستقيم لتصل إلى القراء جميعهم بطريقة واحدة، وهذا يتطلب لغة سهلة ذات سطح واحد بلا ظلال، بينما تتطلب الكتابة الأدبية السير في الحارات الملتوية والتخفي، كما لو كانت لعبة «استغماية» مع القارئ، بحيث تكتمل الفكرة الواحدة الناقصة مع كل قارئ تصادفه، فتكون في النهاية أفكارًا متعددة بعدد القراء. هناك عقد شراكة غير مكتوب بين المبدع وكل قارئ على حده، يساهم بموجبه كل منهما بنصف الفكرة، وهذا يستدعي لغة تحتمل التأويل، ذات أعماق مختلفة، تومىء بأكثر مما تفصح.

ربما تحتمل الصحافة ـ متضررة ـ بعض العمق اللغوي، وربما يحتاج المقال الصحفي إلى المراوغة أحيانًا من أجل رفع سقف الحرية، وهو جد منخفض في الصحافة المصرية، لكن الكاتب الصحفي لا يفعل ذلك إلا ليراوغ السلطة وحدها، بينما عليه أن يظل مهمومًا بالتواصل الأكثر استقامة وجدية مع القارئ.

كلفتني الاختلافات بين خطوة الغراب وخطوة الحجلة الكثير. كان عليّ أن أمنح مقالي  الصحفي زمنًا للمراجعة يفوق زمن كتابته، لأستبدل الكلمات التي يمكن أن تثير عداء الزملاء باعتبارها حذلقة متعالية، وأمنح نصوصي الأدبية أضعاف وقت الكتابة لأطارد الكلمات المستقيمة حسنة السير والسلوك التي تتسلل إلى النص من عالم الصحافة. 

***

رغم كل جهود التخفي، لم يكن وجودي مرغوبًا به دائمًا، ولم أشأ أن أستهلك نفسي في معارك حول منعي من الكتابة هنا أو هناك. في كل مرة تتعرض فيها مقالاتي للمنع أسكت دون صخب. وأعتبر نفسي محظوظًا بمهنة الإخراج التي أتقاضى عنها راتبي، بينما أكتب المقال عندما يكون ذلك ممكنًا دون التخلي عن ضميري المهني والإنساني.

حررني الإخراج الصحفي من اللهاث وراء رضى رئيس التحرير أو رضي السلطة السياسية التي تقف وراءه، وكل ما يستطيعان أن يتخذاه ضدي هو المنع من الكتابة، أو عدم الاعتراف الذي يعتبرانه أكثر قسوة، لكن لا رئيس التحرير ولا السلطة يجدان من الحكمة منع صحفي لا يرحبان بوجوده من العمل الشاق: إخراج الصفحات ومتابعة تنفيذها.

وقد تعلمت من هذه المهنة العناية بشكل نصي بصريًا، وتعلمت منها الإيقاع، إيقاع النص، ومعرفة النقطة التي تكتمل عندها رسالته، حيث يواجه المخرج طوال اليوم تحديات زيادة النص على المساحة المخصصة له بصفحة الجريدة، وعليه أن يبحث عن الكلمات والجمل المجانية ليحذفها بنفسه عندما يكون محل ثقة من رئيس أو مدير التحرير أو يطلب حذفها من محرر مسئول. وقد كنت محظوظًا بالعمل لفترة طويلة مع وجيه أبو ذكري، كان مدير تحرير جريدة «الأخبار» وهو من كبار أساتذة المهنة، وقد وثق في قدراتي منذ التحاقي بجريدة الأخبار، وترك بين يدي حتى مقالاته، وكنت أعود إليه بمقترحات الاختصار، فيقرها دائمًا.

***

لم تخل الصحافة من الأساتذه وإن سادها الصغار، بحكم اختيار رؤساء التحرير وفقًا للمعايير الأمنية لا المهنية طوال ما وعيته من حياتي المهنية والإنسانية. لم تكن الإشارة إلى الصحافة تعني سوى الصحافة المملوكة للدولة؛ رغم وجود الصحافة الحزبية، فهذه الأخيرة عاشت عالة على الأولى؛ تستعين بصحفييها وتطبع في مطابعها وتوزع عبر شركات توزيعها. وكانت الصحافة قد استنفدت قوة الحركة بالقصور الذاتي بعد عقدين من تأميمها، انفصلت عن تقاليد الاستقلال، وصارت الدولة تُعين رؤساء التحرير المأموني الجانب مهما تواضعت إمكانياتهم، وإن تبقى بعض الأساتذه من المخضرمين الذين عبروا من زمن الصحافة الحرة.

تعرفت في جريدة الأخبار بأستاذ من هؤلاء، هو عبدالوارث الدسوقي. ولن يفلح أي باحث في العثور على توقيع هذا الأب الصحفي الذي كان وراء العديد من أفكار التطوير في الصحافة المصرية، لكنه كان زاهدًا في التوقيع، لا يجد في نفسه الرغبة لكتابة مادة صحفية تحمل توقيعه، لكنه ممتلئ بالحماس لنقل خبراته التحريرية للأجيال الجديدة.

كان الأستاذ عبدالوارث يحمل لقب نائب رئيس مجلس الإدارة لشئون التحرير، وهو منصب لم أره في حياتي الصحفية مرة أخرى، لكن سلطته على الجميع بمن فيهم رؤساء التحرير كانت مستمدة من مكانته المهنية. كان يمنح الأفكار في كل التخصصات ويشرف بشكل مباشر على صفحات الرأي والدين، وكانت علاقاته مميزة مع رجال الدين المسلمين والمسيحيين، وهو الذي خصص صفحات للاحتفال بمولد وقيامة السيد المسيح في جريدة الأخبار.

تعلمت من «الأستاذ» قواعد التحرير الصحفي، ومنحني مساحة واسعة لكتابة الموضوعات التي تنتمي إلى الصحافة السردية Narrative Journalism  مما جعلني أشعر بغربة أقل في الجريدة وبُعد أقل عن الأدب.

قدمت كتابة عن لحظة الإفطار في عربة قطار من الدرجة الثالثة وفي الشارع بين عُمال الترحيلة، وغيرها من الموضوعات، أما الكتابة التي لا تُنسى بالنسبة لي، فكانت عن صورة رمضان في قريتي، صفحة كاملة تحت عنوان «رمضان في قرية لا تعرف الياميش» تناولت  فيه حياة القرية بحب، لكن هذا السرد قوبل بعاصفة من الرفض في مسقط رأسي، عتاب للأسرة من العقلاء المسنين، وتهديد بتقديم شكاوى إلى نقابة الصحفيين من قبل شباب زاملوني في المدرسة. وتعلمت من هذه العاصفة درسين في الصحافة والأدب كليهما!

أدركت أن المجتمعات الصغيرة تعيش حياتها مثل سر خاص بها، وتريد لها أن تظل سرًا بعيدًا عن أعين الآخرين، ورأيت كيف أن ما يتداولونه بينهم من نكات حول الفقر والاحتيال عليه، أو تلك التي تتعلق ببعض الجرأة على الدين يصبح فضيحة في نظرهم إذا نُشر على نطاق واسع. ولم أتعرض لحياة قريتي في الصحافة بعد تلك الواقعة، أما الدرس الأدبي الذي تلقيته فقد تمثل في ضرورة ألا تتطابق الكتابة مع الحياة وإن شابهتها.

ومن هذا الوعي كانت المسافة بين السرد في المجموعة القصصية الأولى «حدث في بلاد التراب والطين ـ١٩٩٢» التي تناولت عوالم القرية بوضوح في بناء الشخصيات ووضوح في الرسالة الأيديولوجية، وبين السرد في الرواية الأولى «مدينة اللذة ـ ١٩٩٧» التي تعرض مدينة تستقي خيالاتها من أساطير العالم ولها ملامح مدينة خليجية وبالقدر نفسه لها ملامح أية مدينة ما بعد حداثية تعيش على الاستهلاك واستنفاد الحواس إلى آخر مدى، مع انطفاء للروح، يتناسب طردًا مع زيادة المتعة.

***

بعد نحو عامين من التحاقي متدربًا بجريدة الأخبار، أسند رئيس التحرير سعيد سنبل مسئولية صفحة الأدب إلى الروائي جمال الغيطاني، الذي تراوحت حياته في مؤسسة أخبار اليوم حتى ذلك الوقت بين المنع من الكتابة والعمل مراسلاً حربيًا.

وربما من باب الاستهانة بالأدب أسند رئيس قسم الإخراج الصفحة إلى مخرج لم يُعين بعد هو أنا!

هكذا ستبدأ علاقة إنسانية ملغزة، ورحلة عمل طويلة. بدأت كتابة بعض المراجعات القصيرة للكتب، إلى جوار إخراج الصفحة، لنحو عامين، ثم  سافرت إلى دولة قطر، ومن هناك استمرت علاقتي الشخصية بالغيطاني وعلاقة النشر في الصفحة إلى جانب بعض المقالات في صفحة الرأي، حتى أبلغني الغيطاني بتكليفه من قبل إبراهيم سعدة بتأسيس جريدة «أخبار الأدب” وأنه يريدني بجواره.

عدت من قطر، مساهمًا في تأسيس الجريدة عام ١٩٩٣. وكانت هذه التجربة إحدى تجارب نسيان الكينونة.

أدى انهماكي في التجربة الصحفية الوليدة إلى تبديد خمس سنوات لم أكتب فيها أدبًا بعد إصدار عملي الأدبي الأول، ولحسن الحظ فقد اشتعلت مدينة اللذة في داخلي كشهاب، خرجت فصولها مني كالطلقات غير القابلة للمراجعة أو الرد، وجعلني تلقيها المشجع أتذكر المكان الحقيقي لروحي: الأدب.

ولعل درس السنوات الأولى في “أخبار الأدب” هو الأخير، إذ لم أسمح لنفسي فيما بعد بتكرار هذه الحماقة، وبدأت أعمالي تتواتر كل عامين، أقل أو أكثر قليلا، لكن دائمًا حول العامين. وبدا التعايش ممكنًا بين حرفة الصحافة وشغف الأدب، لكن نزوة أدبية راودتني بعد مدينة اللذة، ولم أتمكن من تحقيقها إلا بعد أكثر من عشر سنوات عندما تفرغت تمامًا ، فاكشفت هشاشة التعايش الذي أعيشه مجبرًا.

***

 في أواخر العام ١٩٩٩خايلتني رواية أجيال، وبدأت فيها بتصميم من يريد أن يختتم الألفية الأولى بعلامة. وكتبت نحو ثلاثين ألف كلمة، لكن سبل الكتابة انسدت في وجهي. وانفتحت بدلًا من ذلك حارة جانبية أطلت منها نصوص «الأيك» التي حاولت إخماد نارها في روحي وفاء للرواية دون جدوى، ولم أجد بدًا من التنازل.

بعد «الأيك» عاودت الجلوس لمحايلة الرواية المؤجلة؛ فلم تستجب وولدت بدلاً منها قصص «مواقيت البهجة» وتكرر الأمر بالكيفية نفسها طوال عشر سنوات وعدة أشهر.

كنت كلما جلست لقراءة المكتوب من الرواية الناقصة أظفر ببداية لنص مختلف، وهكذا توالت الأعمال: «غرفة ترى النيل»، «كتاب الغواية»، و«الحارس». وعندما خرجت من أخبار الأدب فجأة في عام ٢٠١٠ فتحت النص الناقص لرواية الأجيال كما أفعل في كل مرة، وللمفاجأة أعطتني نفسها، واكتشفت أن روحي لم تكن مهيأة لإنجاز عمل على قدر كبير من التعقيد المعماري، طوال سنوات المؤاخاة الهشة بين ذئبة الصحافة وحَمَل الإبداع.

اندفعت في كتابة الرواية التي اتخذت عنوانها النهائي «بيت الديب«، وتيقنت أنها كانت بحاجة إلى روح كاملة غير مشطورة، وقد كتبتها من الكلمة الأولى مستغنيًا عن القدر المنجز قبل أكثر من عشر سنوات، ولم يكن للنص النائم في ذاكرة الكمبيوتر سوى فضل الإبقاء على هاجس هذا العمل حيًا بداخلي.

***

في عام ٢٠١١  استدعيت لتجربة صحفية جديدة في قطر، مديرًا لتحرير مجلة «الدوحة» استمرت التجربة عامين، وقد غادرتها فجأة مثلما غادرت «أخبار الأدب فجأة» لكنني في «الدوحة» مارست حريتي بشكل لم أنله في أخبار الأدب التي شغلت فيها الموقع ذاته، كانت خيارات الدوحة التحريرية من صنعي، وأتحمل إخفاقاتها قبل نجاحاتها. وألهمتني الإقامة الثانية في المدينة الخليجية ذاتها عملي الروائي التالي لـ «بيت الديب» وهو «البحر خلف الستائر» التي تدور في برج غامض، سكانه طارئون، كتبتها خلال الإقامة في الفندق لمدة ثلاثة أشهر متصلة، لحين تجهيز بيتي، أي أنني بدأت كتابتها فور وصولي مع الانهماك في تجربة صحفية جديدة، حيث العمل المجهد من الصباح حتى ساعة متأخرة تصل إلى منتصف الليل أحيانًا، وعندما أعود إلى غرفتي في الفندق أجد الكتابة بانتظاري عوضًا عن النوم!

التفسير المتواطئ للحفاظ على التعايش الهش بين الذئبة والحمل يقول إن الانهماك في تحدي إحياء المجلة والفرح بالنتيجة جلب معه الرواية كهدية، لكن التفسير الأمين المؤسس على معرفتي بروحي يقول إنها لحظة من لحظات الاستنفار؛ لحظات دفاع الأدب عن نفسه وإصراره على أنه مالك روحي بلا مهنة شريكة.

***

نعم، روحي لم تُخلق لصالات التحرير!

وقد ابتكرت منذ البدايات المبكرة بعض الاستراتيجيات لتفادي الاطمئنان في الصحافة، منها مثلًا عدم الاحتفاظ بأية متعلقات شخصية في أدراجي، وعندما تقادمت في المهنة وصار من حقي غرفة مستقلة هنا أو هناك تحاشيت أن أُعلق لوحة على جدار أو أضع صورة لأبنائي على مكتبي. فقط بعض الزهور ونباتات الظل لجعل الحياة محتملة، وأكون جاهزًا لتركها في رعاية من يخلفني في موقعي عندما أغادره.

وهناك تقنيات تعلمتها بالتجربة، وأظن أني لم أكن بحاجة إلى تلقي الدرس الواحد إلا لمرة واحدة.

صحفي شرقي Rudolf Schlichter
(١٨٩٠-١٩٥٥)

 في بداية التحاقي بالأخبار، كنا قد أرسلنا في طلب غداء من مطعم قريب، وتصادف مع وصول الطعام وفاة أحد الزملاء من كبار السن. بكيت كثيرًا مع بعض من الشباب الآخرين، الأكبر سنًا دمعت عيونهم، والأكبر جدًا تعاملوا مع الموقف كمسألة إجرائية: كيف سيبلغون الأهل، وكيف سينقلون الجثمان.  وتعاون البعض في تمديد الميت فوق طاولتين متلاصقتين، وفجأة انطلق صوت يدعونا إلى الطعام:

ـ «الكباب هيبرد».

قال الرجل بينما شرع في إخراج لفائف الوجبات من الأكياس البلاستيكية. كان هذا الحريص على تناول الكباب ساخنًا هو زميل عمر الميت. وقد وعيت الدرس وتحاشيت التعويل على الصداقة في الصحافة.

كانت هذه التجربة هيالأقسى إنسانيًا، خصوصًا وأنني قد تلقيها بينما كنت غضًا وكانت الحياة غالية لم تزل. رأيت خلال مسيرتي الوظيفية وقائع أقل قسوة، كأن يصدر قرار يستهدف التنكيل بصحفي  فيتسابق زملاؤه في تنفيذ التعليمات، أو يبدي رئيس التحرير  ملاحظة عابرة تنم عن عدم رضاه عن صحفي فيبدأ أقرب أصدقائه في التنغيص عليه، وقد ينسى الرجل غضبه، لكن أتباعه المخلصين يستمرون في إيقاع الأذى بزميلهم، لا يتوقفون إلا بعد أن يصدر إليهم أمر واضح!

بالنتيجة أتقنت العيش بصفة روائي في صالات التحرير، أراقب ما يجري حولي وحتى ما يقع لي أو يقع عليّ، دون أن أدخل في الكادر، أو أشعر بالفرح على ما أحصل عليه أو الحزن على ما يفوتني، ودون تبديد روحي في الضغينة ضد من يجتهد في إيذائي.

وعليّ أن أعترف بأن مبعث ذلك ليس النبل أو التسامح، بل الأنانية والحرص على ألا يؤثر عملي الصباحي على ورشتي الإبداعية في الليل. أُسقط المسيء من حساباتي فحسب، ولا أشعر سوى بأسف خفيف، يكاد يؤلم عندما أفكر بما سيعتقده من أوقع بي الأذى، هل سيعتبر تسامحي ضعفًا؟ لكنني سرعان ما أنصرف إلى بدء كتابة جديدة تغمرني غبطتها؛ فأنسى كل شيء.

***

إذا كانت الحياة في الصحافة صعبة على روح المبدع، فهي أصعب في الصحافة المتخصصة في الأدب.

 الصحفي السياسي قد يتعرض إلى غواية التضليل، ويمارس تقنياتها المختلفة وأخطرها إعادة ترتيب الأولويات على نحو خاطئ خدمة لسلطة يطمع في عطاياها، لكن المبدع الذي يعمل محررًا ثقافيًا يكون أكثر إخلاصاً في التضليل؛ لأنه يمارسه لصالح ذاته ونصه بالذات.

بوسعه أن يُعلي من شأن عمل تافه للتغطية على عمل جيد كتبه منافس قوي، وقد يقبل المقايضات وتبادل المديح مع محرر ثقافي آخر، وقد ينحاز إلى النوع الذي يكتبه دون الأنواع الأدبية الأخرى، وقد يسقط في فخ الدعوات إلى مؤتمرات الثقافة التي يفضل منظموها استضافة المبدع الذي يتحكم في منصة صحفية أو إبداعية، حتى يكتب عن المناسبة، وقد يحصل على الجوائز بفضل شبكات المصالح التي يُصبح هو أحد ناسجي خيوطها.

وقد رأيت بعيني أنواعًا من التضليل تمارس لصالح الذات، ورأيت مبدعين يعملون بالصحافة الثقافية حازوا لقب “الكاتب الكبير المحمول جوًا” وخسروا روح الخوف من الكتابة، وخسروا العزلة التي لا يحيا الإبداع إلا بها. ورأيت كذلك كيف يتعرض للإيذاء بسبب عمله في الصحافة الثقافية كاتب يرفض قانون التبادل، ويتصرف بنزاهة ضمير.

من أنا بين هؤلاء؟

هذا سؤال يجيب عنه الأخرون، وليس أنا.

***

رأيت الكثير في بلاط صاحبة الجلالة، ولم أفكر في تكريس رواية لعالم الصحافة.

 عديد من الأدباء العرب والعالميين فعلوا ذلك، لكنني لم ولن أفعل، دون أن أضحي بالخبرة الإنسانية التي التقطتها من ذلك العالم. العديد من الصحفيين كانت شخصياتهم ملهمة لي بوصفها نماذج إنسانية أمنحها مهنًا أخرى في رواياتي، وفاء لمبدأ اللعب في الإبداع. والأهم من ذلك أن نقل هذه الشخصيات إلى مهن مختلفة وإعطائها ملامح أخرى يقطع صلتها بالواقع، أي ينفي مبدأ الانتقام ويصون روحي من التدنيس، ويحقق للأدب ما ينبغي له من ترفع.

في رواية مدينة اللذة هناك شخصية «الظعبيد» المركبة من الأنواع الثلاثة من سكان المدينة: الظل، العبد، والسيد. هو نموذج للضعف الإنساني ومرونة التحول حسب علاقات القوة؛ فهو يصبح ظلاً بلا وجود محسوس في لحظة، ويصبح عبدًا مطيعًا عندما تصدر إليه الأوامر من سيد قوي، ويُصبح سيدًا آمرًا عندما يملك القوة.

من الوارد أن يكون هذا الشخص طبيبًا أو معلمًا أو ضابطًا، ولا يمكن للصحفي الذي استقيت من تحولاته شخصية «الظعبيد» أن يعرف نفسه في الرواية!

الإشارة المباشرة الوحيدة والعابرة إلى مهنة الصحافة جاءت في رواية «غرفة ترى النيل» التي تتناول الأيام الأخيرة من حياة روائي لم يكتب شيئًا لأنه ممسوس بهوس الكمال، وهو في الوقت ذاته شيوعي يعمل في جريدة يمينية، لم تٌسند إليه مهمة ولم يتخذ موقفًا، وعندما مرض لم يكن أمام رفاقه سوى توسيط رئيس التحرير «أبو جهل» من أجل علاج صديقهم.

***

تشغلني آلية عمل السلطة، وبقاء الأشخاص غير الجديرين في مواقعهم بفضل العبودية الطوعية من مرؤوسيهم أو محكوميهم.

ذات يوم، كنت أطل من نافذة صالة التحرير، ورأيت سيارة مرسيدس تتوقف، ويلتف حولها الحراس، يفتح أحدهم الباب لصحفي لا يمكن لإرهابي مختل أن يستهدف حياته التافهة، فتولدت على الفور نزوة كتابة رواية بطلها قطعة غائط ترتدي ربطة عنق، تتحرك بخيلاء بين الحراس المدججين بالسلاح، وتصدر الأوامر، وتجد من يطيعها.

وقد استحال تنفيذ الفكرة، لم أتمكن من جعلها مقنعة فنيًا، لكنها ألهمتني رواية «الحارس» التي تتناول شبق الحراسة عندما يتحكم في حياة الحارس ويجعله سجين هذا الشبق، أي سجين عبوديته الطوعية، ولم أتخلص تمامًا من إغواء الصورة الساخرة (قطعة الغائط بين حراس الشرف) التي ولدت برأسي ذات لحظة عابرة، لكن المشهد تقلص إلى مجرد جملة يقولها الضابط في الرواية «حراسة الرئيس أسهل ربما من حراسة وزير أو قطعة غائط».

وفي كتاب «الأيك» هناك فصل عن فساد الجسد، استوحيته من ذات الرجل صاحب البلادة الملهمة!

 أصف في ذلك الفصل التراكم السريع للشحوم على وجوه وأجساد محدثي النعمة، الذين لم يتلقوا تربية ثقافية، أمثال هؤلاء لا يعرفون سوى متعة الأكل عندما تسقط عليهم الثروة، فينتفخون، ويمكن تمييز سمنتهم الطارئة عن السمنة الموروثة لدى بعض الأكولين من العريقين في الغنى، كما تختلف عن السمنة المرضية، وعن سمنة الفقراء الذين يعيشون على النشويات. اللحم الطارئ لدى الفاسدين لم يعاشر بقية الجسد ليشعر برحلته المُضنية والمُهينة نحو القمة، وبالتالي فهو لا يحمل مشاعر بقية الجسد، ويبقى خاليًا من التعبير، مما يجعله جديرًا بصفة «الخنزرة» التي يطلقها العامة على وجه بهذه المواصفات. وقد راقبت وجوه وزراء ورجال أعمال صعدوا سريعًا في دولة الفساد ورأيت أن  ملامح الوجه والجسد تتشابه مع وجه وجسد ذلك الصحفي، فكانت نظريتي عن الجسد الفاسد، التي لا يشذ عليها إلا قلة من الفاسدين النحفاء، مثلما تتمرد بعض الوجوه الطيبة لمجرمين على نظرية لامبروزو حول ملامح الوجه الإجرامي!

***

من حسن الحظ؛ أن الصحافة، ككل الشرور، لا تخلو من جوانب حسنة يمكن للكاتب الذي يجد نفسه فيها بفعل المصادفة أو التخطيط السيء لحياته أن يستفيد منها؛ فهي تُعلم فضيلة الاختصار على أية حال، فضيلة السهولة وفضيلة الخفة، وهذه بعض القيم التي عدها الساحر إيتالو كالفينو قيمًا لأدب الألفية الثالثة. وهي القيم التي نجدها بشكل واضح في أدب كالفينو نفسه وأدب هيمنجواي وماركيز.

إلى أي حد استفاد نصي الأدبي من هذه القيم؟

هذا أمره عند النقاد، لكنني كتبت بروح هجين بين الصحافة والأدب بعضًا من كتبي التي استمتعت كثيرًا بلحظات كتابتها، وكان  مولدها الجنيني في الصحافة، وخصوصًا في زاوية «هواء طلق» التي واظبت على كتابتها في جريدة «القدس العربي» كل سبت طوال ١٥ عامًا من (١٩٩٩-٢٠١٤) وقد مارست فيها حرية الكتابة بشروط الأدب أكثر من شروط الصحافة. لكن الكتب التي نمت عن هذه (الأجنّة/المقالات) كانت مختلفة تمامًا، عملت على تحريرها من جديد، فصارت حياة جديدة صلتها بالمقالات التي دارت حولها مثل صلة الابن بأبيه، يحمل بعض ملامحه، وصفات الحمض النووي ذاتها دون أن تكون متطابقة.

***

أول كتبي المدينة بوجودها للصحافة هو «الأيك في المباهج والأحزان» وهذا وضعه مختلف، فقد ولد ككتاب وكنت أثناء الكتابة أقتطع مقاطع منه تناسب الزاوية الصحفية. يتداخل في كتابة الأيك التأمل الفكري ـ الذي يدين لفلاسفة الفينومينولوجي ـ مع السرد، مع محاورة نصوص تراثية وحديثة وأفلام ولوحات.

 والكتاب الثاني هو «كتاب الغواية» الذي يتناول الحب والكتابة بوصفهما ينبعان من ولع إنساني واحد، أو ألم واحة: ولع الخلود، وألم البحث عنه.

وقد ولد الكتاب في الزاوية الصحفية كمقالات انطباعية حول كتب وأفلام وذكريات وتأملات وعادات القراءة والكتابة، وعند جمع تلك المقالات معًا، أحسست بالخجل، إذ وجدتني أغتصب لنفسي دور الحكيم الذي يعرف كل شيء!

 كدت أنصرف عن إعادة نشر هذه المواد، وفي لحظة بطالة هنية ولدت فكرة توجيه كل هذه الأفكار في رسائل إلى حبيبة، وهنا عدت إلى خزينة مراسلاتي السرية، لتمتزج حرارة العاطفة ببرودة الفكرة، ولتصبح الأفكار موجهة باتجاه الحبيبة، يراها القارئ مصادفة أثناء تلصصه على تحولات علاقة الحب رسالة بعد أخرى.

وهناك كذلك كتاب البورتريهات «ذهب وزجاج» وقد نُشرت بورتريهاته متفرقة بين «أخبار الأدب« و«القدس العربي» وأتناول فيه أدباء من أمثال محمد البساطي وعبدالرحمن الأبنودي وديكتاتورًا مثل صدام حسين وأحمدي نجاد وبسطاء مثل «الجنرال علي» وهو أحد مجاذيب الحسين يعيش في الشارع ببدلته العسكرية المرصعة بنياشين من أغطية زجاجات المشروبات الغازية، ولا يمكن للقارئ أن يحدد معدن أي من هؤلاء، من منهم الذهب، ومن الزجاج.

وهنالك الريبورتاج الأدبي «العار من الضفتين» وقد نشأ كمشروع بحثي لينشر ككتاب وليس للصحافة ولكنه يستخدم روح الصحافة السردية مع الصحافة الاستقصائية، ويستطلع ظاهرة قوارب الموت في البحر المتوسط، مسئولية ديكتاتوريات الشاطئ الجنوبي وديمقراطيات الشاطئ الشمالي للمتوسط عن هذا العار الإنساني. أنظمة فاسدة تغلق طريق الأمل أمام الشباب من خلال اقتصاد مافياوي، ويهرب الشباب للبحث عن فرصة في أوروبا التي تغض رأسماليتها الطرف عن الإقامات غير القانونية لأنها تستفيد من هذه العمالة الرخيصة «العمالة السوداء» كما تُسمى، وعندما تُرجم الكتاب إلى الإيطالية عام ٢٠١١ طلب الناشر فصلًا خاصًا للطبعة الإيطالية أرصد فيه الظاهرة بعد ثورات الربيع العربي. وقد لاحظت توقف انطلاق قوارب الموت نحو الشواطئ الإيطالية خلال أشهر الأمل القصيرة في بداية ٢٠١١، ولم تلبث أن استؤنفت بكثافة، على أن النزوح السوري المؤلم لم يكن قد بدأ بعد.

لم أستفد من الصحافة كتبًا تضع قدمًا فيها وأخرى في الأدب فحسب، بل إن بعضًا  من قصص أحدث كتبي«السماء على نحو وشيك» نشرتها أولاً كمقالات، وهي قصص «يطارد الغبار»، «إنه الخريف»، و«عتمة صباحية» وتتناول آلامًا وخبرات شخصية، أعدت كتابتها كقصص بضمير الغائب.

من هذه الزاوية، كنت محظوظًا بالعمل في الصحافة، ولم يكن لهذه النصوص أن تُكتب لو لم أتعلم في بلاطها التعامل مع اللغة بتقديس أقل.

***

والآن، بعد ستة وثلاثين عامًا من العمل في هذه المهنة ـ التي تستحق الاحترام بسبب نماذج مضيئة من أساتذتها وتستحق الشفقة بسبب التردي الذي آلت إليه ـ  ترسخت صورتها عندي بوصفها نمرًا. وعلى الكاتب الذي ترميه الأقدار في عالم الصحافة أو يدخله بتدبيره السيء أن يمتلك الكاتب مهارة التوازن فوق ظهر النمر وإلا سيجد نفسه بين مخالبه. وفي مقابل عشرات من الأدباء شرقًا وغربًا تمكنوا من التوازن فوق ظهر النمر ووصلتنا أسماؤهم، هناك الألاف ممن سقطوا بين مخالبه من البداية فلم يسمع بهم أحد، وهناك من الكتاب من بدأوا لامعين ثم أكلهم الوحش.

ولو كانت في العمر بقية تسمح بتغيير المهنة لاخترت أن أعمل معلمًا، كي أحظى بجنازة مهيبة كأستاذي محمد جميل، الذي خرج جثمانه ملفوفًا بالعلم من مدرسة البلاشون الثانوية، في موكب مهيب ضم أجيالًا من تلاميذه المحبين، بينمارأيت بعيني كيف تمدد جثمان الصحفي بلا مجد في خلفية آكلي الكباب من الزملاء والتلاميذ بعد حياة طولها خمسون عامًا في بلاط صاحبة الجلالة.