بعد أن تمدد ربيع العمر: كيف نقرأ الأدب الكلاسيكي؟

بعد أن تمدد ربيع العمر على حساب الخريف:

كيف نقرأ الأدب الكلاسيكي؟

  حسب إحصاء الأمم المتحدة، ارتفع متوسط أعمار البشر في الفترة بين ١٩٥٠ و٢٠١٠ من ٤٦ عامًا إلى ٦٨، وتتوقع المنظمة الدولية أن يرتفع معدل الأعمار بنهاية هذا القرن إلى ٨١ عامًا. الإحصاء العالمي يشمل بالطبع دول الفقر والحرب التي تدهور فيها المعدل عن معدلات عام ١٩٥٠، بينما تسجل الإحصاءات الوطنية لدول الرفاه الآن متوسطات تتخطى ما تتوقع الأمم المتحدة بلوغه في نهاية القرن الحادي والعشرين.

  بدا هذا التغير تحديًا اجتماعيًا وسياسيًا، يحتم إيجاد  سياسات جديدة في التشغيل وتقدير سن التقاعد، لصالح البشر أنفسهم، ولتلافي انهيار مؤسسات الضمان الاجتماعي التي خططت ميزانياتها في زمن سابق، على أساس أنها ستتولى الإنفاق على المتقاعد وقتًا أقل مما يعيشه حاليًا!

    راودت البعض أحلام  بإمكانية ممارسة مهنتين في عمره المديد، وأفسحت البطولات الرياضية مكانًا للكبار، مثلما رأينا في بطولة EMAC لألعاب القوى بالدانمارك في يوليو /تموز الماضي، التي شارك بها مسنون في التسعين من العمر، ثم تبعتها بطولة المجر للأساتذة في السباحة التي تضمنت مسابقة للمسنين فوق الثمانين، وشارك فيها المصري عصام ناصر ٨٦ سنة.

في الأثناء نشرت بعض المواقع خبرًا  ـ لم أستطع التأكد من صحته ـ عن تصنيف جديد للأعمار أصدرته منظمة الصحة العالمية، يمد سن المراهقة حتى الخامسة والعشرين ، وسن الشباب حتى الخامسة والستين. على كل حال، يبدو التصنيف الجديد واجبًا، استنباطًا من واقع معاش، مثلما استنبط علماء اللغة القدامى قواعد النحو من واقع اللغة.

أدب العمر الطويل

  الفن والأدب استجابا من جهتهما للتغيرات الجديدة؛ العديد من الأفلام كرست للحب في الفترة التي كانت موصوفة بـ «أرذل العمر» ولم يعد المسن محل شفقة أو تنكيل في الروايات، وسيصبح تلقي الفن والأدب الكلاسيكيين مختلفًا. القارئ صاحب الحس الفكاهي سيستقبلهما بالابتسام، وقد صرنا نفعل ذلك حقيقة عند مشاهدة الأفلام الدرامية المصرية، التي  صار استقبالها كوميديًا في  ظل تطور مفاهيم ومستويات الشر!

في مجال الكتابة، تضع التغييرات العمرية الجديدة على المحك عددًا كبيرًا من الكتب التي لاقت رواجًا حول الأزمات المرتبطة بالسن، خصوصًا تلك المعروفة بـ «أزمة منصف العمر» وهي في الأساس تتعلق بالخوف من الشيخوخة ومساءلة الذات عما أنجزت وما لم تنجز، ويتوقعها علم النفس بين الخامسة والثلاثين والخمسين من العمر. هذه الكتب التي لا تكف المطابع عن إنتاجها يمكن أن تقوم بتحريك فترة المنتصف في طبعاتها التالية، لكن الذي سيبقى على حاله هو الإشارة إلى العمر والموقف منه في الأدب الأدب الكلاسيكي.

  منذ سنوات، وقبل أن تصبح مناقشة زيادة معدلات الأعمار ضرورة عملية تتعلق بالاقتصاد والمجتمع، كنت أقرأ عبارة «عجوز في الخمسين» وأسرها في نفسي، خصوصًا عندما بدأت الزحف الإجباري نحو الخمسين، كانت تصيبني بقليل من الخوف، وأقف منها على الحافة، بين التصديق، وبين اعتبارها تراثًا من زمن انقضى، عندما كانت صعوبات المناخ تأكل فيه الأعمار، خصوصًا في أوروبا، التي لم يسلم من الموت المبكر بالربو فيها عدد من أهم الكتاب حتى بدايات القرن العشرين.

  الدهشة الكبرى، ستظل تترصد قراء  «لوليتا» كيف يصف همبرت همبرت السيدة هيز بأنها «في العقد الثالث، في عشية الخريف من عمرها». امرأة بين العشرين والثلاثين في خريف عمرها؟! لا بأس، هي رؤية منحرف مدمن على عشق القاصرات، وهو نفسه، كان في الثامنة والثلاثين عندما التقى بمسز هيز وطفلتها لوليتا، ولا يمكننا الاطمئنان لأحكام همبرت المنحرف، مثلما لا يمكننا أن نثق بأندراش  في عشقه للناضجات برواية «في مديح النساء الأكبر سنًا» ليس لأن الحرب شوهت المراهق الهنجاري فحسب؛ بل لأن ستيفن فيزينشي كتبه بصنعة لا تذكرنا  إلا بتصنع القصص المهيجة في كتب الإيروتيكية العربية، وافتعال أناييس نن في «مثلث فينوس».

مع الأسوياء.. أفضل جدًا

   العبقري تشيخوف، روسي آخر وسوي، ومع ذلك كان من أكثر الكتاب الممسوسين بالعمر. في قصة «القبلة» وهي واحدة من قصصه العصية على النسيان، يتلقى ضباط فرقة مدفعية تعسكر في قرية دعوة من وجيه محلي لتناول الشاي في منزله، يصفه تشيخوف بأنه «شيخ بهي، في حوالي الستين» ويصف زوجته بالعجوز.

  ولا يكتفي الكاتب الحنون بوضع من هم دون الستين في فئة الشيوخ، بل يجعلهم مستسلمين لواقع الاقتراب من الموت، بلا أمل في الحب، ولا أشواق لأجسادهم؛ ففي منزل «فون ـ رابيك» سيتلقى أكثر الضباط خجلاً «النقيب ريابوفتش» قبلة هي الأولى في حياته من امرأة لم يعرفها في ظلام غرفة دخلها بالخطأ، وستصبح هذه القبلة وصاحبتها هاجسه الدائم، يحاول أن يخمن صاحبتها من بين الحاضرات من نساء البيت «وفكر وهو يطوف بوجوه النساء: ولكن من هي؟ ينبغي أن تكون شابة، لأن العجائز لا يذهبن إلى المواعيد الغرامية».

    كاواباتا، يرسل العجائز ـ لكن من الرجال ـ إلى المواعيد الغرامية، من أجل التتنكيل بهم، لا إمتاعهم. في «الجميلات النائمات» الرواية التي ستعيش طويلاً، يذهب «العجوز إيغوشي» إلى بيت مخصص للرجال الذين لا يثيرون المشاكل، يستلقي بالقرب من مراهقة منومة، لن تشعر بوجوده أبدًا، ويتساءل الراوي «أيكون مجيء إيغوشي إلى هنا اكتشافًا لهول الشيخوخة المطلق؟». لنتذكر أن إيغوشي ذهب إلى البيت ذاك احتفالاً بعيد ميلاده السابع والستين، أي بعد سنتين فقط من مغادرة سن الشباب حسب التصنيف الذي لم أتأكد من صحته!

  يفعل كاواباتا هذا بإيجوشي  في بلد يضم أكبر نسبة في العالم للمعمرين الذين يتخطون المئة، لكن هذا التنكيل، لا تمكن مقارنته بالتقليد الياباني الذي خلده في رواية أخرى من رواياته، حيث يحمل الابن الأكبر والده المسن على ظهره ويتركه على قمة الجبل، ويقفل هابطًا لا ينظر وراءه! الآن تُكفِّر اليابان عن تراثها الحزين باحتفال «يوم احترام الكبير» في الخامس عشر من سبتمبر أيلول.

خالدون في الشباب

   من حسن حظ الأدب العربي أنه ليس ممسوسًا بالسن كغيره من الآداب، على الرغم من صيحة السأم التي أطلقها مبكرًا زهير بن أبي سلمى: سئمت تكاليف الحياة ومن يعش/ثمانين حولاً لا أبا لك يسأم. ربما لأنه أدب فحولة لا يعترف بالضعف ولا يتوقف أمامه.

 الأمر  يستحق الدرس، فهذا التجاهل للشيخوخة لا يخص الشعر وحده. في كتابنا السردي المؤسس «ألف ليلة» نرى الملكات في سن الإنجاب، والنساء معظمهن في سن الحب،  تظهر العجوز نادرًا في أدوار السحر والقوادة، أي في صورة أخرى من صور القوة والسيطرة، بينما لا تتوقف الليالي كثيرًا أمام عمر الرجال، نعرف أعمارهم على وجه التقريب في القصة التي نرى فيها الجد والأب والحفيد. وليس هناك من عمر يتوقف فيه السلطان عن طلب الزواج. قد يمرض، كما في حكاية الملك يونان والحكيم دوبان، وقد يموت ليفسح السرد مكانًا للملك الجديد، لكن الموت يأتي خبرًا عابرًا، لا يسبقه وهن ولا يصحبه نحيب.

  لا مكان للوهن في الليالي، النص المنذور للرواية الشفاهية، قبل أن يسجنه التدوين، لم يكن يحتمل إلا المتعة والوعد بمزيد من المتعة، كلما توغل الليل واقترب المستمعون من النوم. غير أن هذا الإمساك بالجمهور لا يكفي سببًا لتجاهل الشيخوخة في الأدب العربي الممسوس بالقوة؛ قوة السلطة، التي تجلب القوة البدنية، وتجر في إثرها الفحولة.

   ولم يتنكر أدبنا الحديث لهذا النزوع للفحولة. في ثلاثية نجيب محفوظ، لا يبدو السيد أحمد عبدالجواد وأصدقاؤه مكترثين للسن. ينقطع عن سهراته المترعة بالمتعة بسبب استشهاد ابنه فهمي في ثورة ١٩١٩، لكنه يعود بعد خمس سنوات ليستأنف ما كان، ويظل يتنقل بين الغانيات، يستبدل الصغرى بالكبرى، دون أن تكف الكبريات عن التطلع إلى استعادة الزمن المفقود، لا يمنعهن إلا الأنانية الذكورية والقسوة المفرطة لأصدقائهن القدامى، ولا يوقفه إلا تكاتف الأمراض ضده.  وحتى عند الولوغ في أرذل العمر، يفقد الناس القدرة الجسدية، ولحسن الحظ يفقدون معها القدرة على الاحتشام! لا تذهب أم مجدوب إلى لقاءات غرامية في رواية الطيب صالح «موسم الهجرة إلى الشمال» لكنها لم تستسلم للزمن وتتصرف بالوقار الذي يسبغه تشيخوف على عجائزه، بل تحكي ذكرياتها الحميمة مع أزواجها في ملأ من الناس، تمنح مستمعيها البهجة، وتعيد تدوير بهجتها الخاصة.

 هل يكمن السر في «العود الأبدي»؟ في الفرق بين الزمن الخطي الغربي وزمان الشرق الدائري، الذي يعيق تقدمنا، بما في ذلك التقدم في العمر؟!

—————————

نشر المقال في جريدة الشرق الأوسط، الثلاثاء 22 أغسطس.