نظرته

اللوحة لفاتح المدرس

أحكمت على أطفالها الغطاء، مالت تقبل خدودهم، توقفت لحظة تتابع تنفسهم المنتظم، ثم تراجعت إلى أول  الغرفة.  أغلقت مفتاح النور برفق، وانسحبت على أطراف أصابعها  إلى غرفتها. أغلقت خلفها الباب بحنان، وهمست معتذرة:

ـ تأخرت عليك، أتعبني العيال الليلة.  

أخذت نفساً عميقاً، وتقدمت خطوة لتجلس على حرف السرير.

الضوء الغائم كالحلم يدخل من الزجاج المضبب لشُراعة الباب فيمنح الأشياء حضوراً باهتاً.  تطلعت اليه يرمقها صامتا، داورت الصمت بين شفتيها، وهمست:

ـ سلمى صارت أحسن اليوم،كنت خايف عليها؟ الحرارة نـزلت، والدكتور قال تاكل كل حاجة.  خِلصت يا روح قلبي. 

ارتد بصرها إلى الأرض زائغاً في ألوان السجادة الحائلة.  ثم رفعت رأسها محولة نبرها إلى مرح:

ـ أكلت يا روح أمها، عملت لهم محشي؛ طلبه وليد، وذبحت لهم الفرخة الحمرا العتيقة، قطعت البيض انت عارف، يا لله، كثر خيرها، تعرف؟ البطن الجديد صار ما شاء الله، الديك بان من الفرخة.  

رأت ابتسامته تهل من البعيد.  تذكرت ملهوفة:

ـ صحيح، الصبح لما طلعت للحمام لقيت أربع أزواج مفقسة، والدكر القطاوي الملعون اشتريت له نتاية جديدة، حبسته معها، العكروت هوايته يخرب الغية، لايلوف إلا على زوجات الآخرين.  

شجعتها الابتسامة التي استقرت على وجهه؛ فصاحت دهشة:

ـ اسكت! تعرف من قابلت اليوم بالسوق؟ أم سمير جارتنا في الشقة القديمة، فوجئت بها تصطدم بي  وتأخذني في حضنها، ياااه على طيبة هذه المرأة!،  وقفنا في الشارع ساعة، تصور الجل التافه زوجها لا يزال يضربها في هذه السن؟! لا تكف عن الدعاء عليه؛ لكن حكمتك يارب، لايبقى على المذاود إلا شر البقر!

اختنق صوتها،  وتدحرجت من عينها دمعة دارتها معتذرة، ودون أن تنظر أحست بعطر حنانه يبلل وجهها.  تشجعت وتطلعت إليه باعترافها:

ـ أريدك أن تسامحني، ضربت سامي؛ الولد متعب، في المذاكرة في الأكل، متعب في كل شيء، يضرب أخاه وأخته بلا رحمة، أقول يا حبيبي أنت الكبير، لا فائدة. 

أحست الحزن يخالط نظرته الحنون، همست:

ـ لا تغضب مني. 

لم تدر ما تقول بعد، أطرقت طويلاً ثم قامت تطرد الصمت، توقفت أمام المرآة، استسلمت عيناها لنظرته، ابتسمت، امتدت يدها تنـزلق بالإيشارب؛ فانسدل شعرها إلى الكفل.

دارت تتأمل جسدها، عيناه في عمق المرآة تلمعان بالرغبة، نـزعت ثوبها، رأته يغمز، عادت تبتسم وقبضت شفتها بالأسنان، تراجعت إلى الطاولة الصغيرة بجوار السرير، تناولت زجاجة العطر، صوبتها إلى صدرها، ضغطت المكبس فخرجت الزخة الباردة تلسع مفرق ثدييها، وسالت القشعريرة إلى كامل جسدها.

انـزلقت في الفراش ورأته يخطو صوبها مغادراً البرواز.

————-

من المجموعة القصصية «مواقيت البهجةـ ـ ٢٠٠٢»