لغتها تتدحرج بين الحب والحرب: مالا يكور لا يعول عليه

 

التهديف نوع من الافتراع العلني والهدف مثير بقدر ما يهز أو يمزق الشباك بقدر احتراف اللاعب وتميزه بقدر ما يكون جمال صديقته وقد اعتاد المصورون أن يقسموا وقت كاميراتهم


عزت القمحاوي——————-

مالا يؤنث لايعول عليه، هكذا يقول الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي. وهذا هو فضل قوس التأنيث على استقامة الذكورة،فماذا عن اكتمال القوس؟ ماذا عن فتنة الدائرة المكتملة؟

لابد أن لهذا الاكتمال علاقة بتربع كرة القدم على عرش اللعب في العالم؛ اكتمال التأنيث الذي يعطي هذا الألق للعبة تستمد رموزها ولغتها من فنون الحب والحرب تتدحرج بينهما كيفما تشاء!

الكرة أنثى مراوغة يكافح اثنان وعشرون لاعباً من أجل امتلاكها عبر ساعة ونصف من الركض المتواصل، إنها عملية سبي واغتصاب علني يتابعها بكل قدراتهم على الاستثارة ملايين المشجعين الذين لم يحظوا بفرصة كهذه أو لم يعودوا قادرين عليها.

على أن جهود السبي العنيفة لاتبدأ دون محاولة أولية للاسترضاء. تقبيل الكرة لتحنينها وكسب ودها قبل المبارة مشهد مألوف في كل الثقافات، عندنا كما عند غيرنا، يقول إدواردو جاليانو “لا أحد في البرازيل يشك في أنها امرأة”.

 

ورغم أن علاقة اللاعب بالكرة هي علاقة جنسية بامتياز، فإن التقاء اللاعبين ينقلنا مباشرة إلى لغة الحرب. لم يكلف أحد خاطره أن يجتهد لاختراع كلمة تصف فترة العزلة للاستعداد قبل المباريات الفاصلة بدلاً من كلمة “معسكر” التي وجدها الرياضيون فيي طريقهم فاستخدموها بكل اعتياد كما لو كانت مخترعة لأجل الكرة. كما لا يتم الحديث عن خطط اللعب سوى بوصفها خطط معركة لابد أن تظل طي الكتمان لتحقيق عنصر المفاجأة كما في الحرب.

مشهد الماشين بالرايات فوق كوبري أكتوبر من حى امبابة إلى الاستاد مدهش، فهؤلاء المشاءين يملكون بالتأكيد أجرة الانتقال بميكروباص أو أتوبيس عام، لكنها قواعد الحشد للجيش الجرار تفرض على هذه الكتيبة من المشاة أن تسلك هذا الطريق لتلتحم بمقدمة الجيش قبل ساعات من بدء المعركة التي لاتبدأ حتى يتوزع وصفها بين لغتي الحرب والجنس.

السحق والتدمير وارتكاب الفاحشة بحق الفريق المنافس من المصطلحات الشائعة في لغة التهديد خلال الحروب النفسية التي تسبق المباراة وأثناء احتفالات التشفي بالعدو بعد النصر.

التهديف هو نوع من الافتراع العلني، والهدف مثير بقدر ما يهز أو يمزق الشباك، وحارس المرمى البطل هو الذي يحافظ على شرف وعذرية شباكه.

***

هكذا تدور الكرة المدورة وتتقلب بين الاصطلاحات الحربية والجنسية بسهولة تامة دون تمييز. لايتحكم في اللفظ سوى نوع الوسيلة الناقلة، حيث يضطر المتوعد إلى استخدام لغة الحرب في الصحف والتليفزيونات والإذاعات المحافظة، بينما في الوسائل المتحررة والاتصال الشفاهي يميل الجميع إلى مصطلحات فعل الحب!

وفي ذروة الهياج عقب إحراز هدف يفقد المشجعون قدرتهم على الاحتشام، فيأتون بحركات جنسية بذيئةأو يتعرون. وتكون الكاميرات هي الأخرى في ذروة هياجها وافتقادها القدرة على فرز الصورة المقبولة من المرفوضة فتنقل كل هذا إلى الجالسين في بيوتهم!

وليس التعييرالجنسي هو الأبشع؛ فالضرب المبرحوالإيذاء البدني الذي يصل إلى حد الموت أحيانا لا تنتظر فقط لصاً في مسجد، لكنه أيضاً من نصيب مشجع مبتديء يجلس بالخطأ بين جمهور الفريق المنافس! واكتشاف مشجع كهذا، هو بمثابة القبض على جاسوس متلبس بجرمه في وقت الحرب.

وليس بعد فوز المحارب إلا المكافأة؛ صخب الاحتفال بالطعام والجنس.

وفي مجتمع متحفظ مثل مجتمعنا تأخذ الحياة الجنسية للاعب منحى سرياً فلا نعرف شيئاً عن علاقاته إلا من خلال فضيحة تنفجر مصادفة، لكنها في المجتمعات المفتوحة تأخذ شكلاً احتفالياً تثمنه الكاميرا، فاللاعبون يذهبون إلى المباريات بصحبة صديقاتهم الجميلات، وبقدر احتراف اللاعب وتميزه بقدر ما يكون جمال صديقته، وصار من المعتاد أن يقسم المصورون وقت كاميراتهم بين قدمي اللاعب ووجه الصديقة. وقد أضاف هذا الحضور الجنسي في  المقصورة إثارة فوق إثارة اللعبة.

في السابق لم تكن الكاميرا تغادر المستطيل الأخضر إلا لتستعرض القلق على وجوه المدربين؛ القادة الميدانيين للحرب، وفي المباريات النهائية فقط تستعرض الكاميرا ـ بين وقت وآخر ـ الكأس؛ الهدية الجماعية للجيش بكامله.

الآن صار المشاهد أكثر تطلباً بعد أن دللته الكامير، ومعظم المشجعين من الذكور هم في الحقيقة لاعبون فاشلون، ترسب في وجدانهم من ذكريات متعة اللعب ما يتبقى في الذاكرة من بهجة الألوان بعد سنوات طويلة من العمى. والفرق أن بهجة الجنس لم تخب بعد، أو على الأصح فإنها تظل حية بفضل هذا الوعد المتجدد.

وأصبح بمقدور المشجع المتشهي أن يعيد استخدام قانون ابن عربي “المدرجات التي لاتؤنث لايعول عليها”.

***

بحضور الأنثى صارت المكافأة حاضرة في كل مباراة؛ فهذه الجميلة هي مكافأة المحارب المجيد،والأقل جمالاً للذي يليه، في عودة ظافرة إلى حروب الأزمنة القديمة، حيث يفوز المحارب الأبرع  بالمرأة الأجمل من بين السبايا.

لم يعد التهديف مجرد اختراق رمزي للشباك ينوب فيه اللاعب عن جموع المشجعين، لكن ما الذي حمل كل هذا العدد من النساء إلى مدرجات الملاعب؟

لم تُكره النساء على الذهاب دون إرادتهن، ولذلك فهوسبي بالإرادة الحرة، واستعذاب للأسر يحسن تأمله.

وقد كتبت في مقال سابق أنني أرى في تنامي ظاهرة تشجيع النساء للكرة نوعاً من الذم المبطن لرجالهن الذين توقفوا عن التهديف دون أن تكون لديهم شجاعة الاعتراف التي يتمتع بها لاعب كرة يحرص على إعلان الحقيقة في مباراة اعتزال.

هذه مجرد فكرة لن أستميت دفاعاً عنها، فالظاهرة تحتاج إلى تأمل أعمق، وإن كنا لانستطيع أن نغادر بسهولة منطقة “الليبيدو” البهيجة. فهؤلاء المحاربون بأجسادهم الأقرب إلى الكمال ليسوا سوى نوع من وحوش عائدة من معسكرات التدريب، مثل أسود المسابقات الرومانية. وحوش تفرغ عنفها في اللعب بسبب من بكارتها التي تربت وراء أسوار المعسكر المغلق، حيث يمكن في معسكرات التدريب غفران الاقتراب من أية محظورات باستثناء المرأة.

على أن “الليبيدو” ليس السبب الوحيد لوجود المرأة في مدرجات الكرة، بل إنه جزء من البهجة المهرجانية التي تملكها المجتمعات المتمسكة بالحد الأقصى من بدائيتها أو حضارتها سواء بسواء. أي في كل المجتمعات باستثناء العربية؛ تلك التي غادرت بالأمر الإلهي أزمنة “الجاهلية” ولم يبلغها بعد النداء المدني الذي يجعل من الفضاء العام فضاء للجنسين بالتساوي.

هذه الحالة المدنية كدنا ندخلها في مصر مع المولد الهش للطبقة الوسطى، لكنها لم تلبث أن قوضت تحت زحف الفقر ورياح الأصولية الحارة بينما اكتمل موت الحالة المهرجانية بالهواجس الأمنية التي بدأت منذ مصرع السادات؛ وقد دشنت جنازته عصر الجنازات الرسمية، وحرم المصريين من الحزن الجماعي بعد أن تكفل الفقر والأصولية بحرمانهم من الفرح الجماعي.

ولذلك فقد كانت ظاهرة التشجيع الأنثوي في كأس الأمم الأفريقية الأخيرة بالقاهرة حدثاً لافتاً للأنظار، ولكنه لم يخرج عن كونه تعبيراً عن التململ الاجتماعي لطبقة جديدة تحرمها التقاليد التي رسخت من ممارسة حريتها، وقد توافرت شروط الانتخاب الطبقي بسبب السعر المرتفع لبطاقات الدخول الذي أبقى الطبقات الدنيا في المقاهي والبييوت، وجعل من الملعب فضاء لشباب وبنات يمتلكون تقاليد الاختلاط.

عادت في تلك الدورة كرة القدم إلى أصلها كلعبة نشأت أساساً بين الرعاع لإمتاع الطبقة الراقية.

***

بالرغم من التغييرات التي طرأت على اللعبة في الأزمنة الحديثة، إلا أنها لاتخلص لشيء قدر إخلاصها لأصولها، ومن أهم الأصول أنها تمثل معكوس العرف السياسي، فالفعالية فيها للفقراء والفرجة للأغنياء.

ولذلك فإن مدارس الكرة بالنوادي الراقية (التي تقتصر عضوياتها على الطبقة فوق المتوسطة) تكتظ بأجيال من الأطفال يرتدون زي ناديهم المميز تحت أعين أمهاتهم الفخورات المنتظرات بالمناشف الفاخرة.ولكنهم يتخرجون في النهاية مشجعين وفي أحسن الأحوال لاعبين هواة يمكنهم قضاء وقت فراغ ممتع مع أقرانهم دون تعويل على النتائج. وتستمر النوادي في استخدام كشافي المواهب في الحارات والساحات الشعبية لالتقاط المحاربين المتميزين وضمهم إلى فرق المحترفين.

على أن التزام كرة القدم بتقاليد ولغة الحرب بما للأخيرة من سبق تاريخي لايعني استمرار علاقة الأعلى والأدنى بين اللعبتين. وقد بدأت الحرب في التشبه بالكرة باعتمادها كنوع من التسلية ـ وإن كانت مُرّة ـ عبر البث المباشر الذي بدأ بحرب تحرير الكويت وتواصل حتى اليوم فيي العراق، كما تم استخدامه في البوسنة، وبالطبع كان لإسرائييل السبق إذا ما أخذنا فيي الاعتبار تكسير عظام الأطفال في الانتفاضة الأولى بأوامر من شهيد السلام إسحق رابين!

ومع بدء ظاهرة احتكار الفرجة على مباريات الكرة لم يعد أمام الفقراء سوى متابعة ألعاب الحرب ليزدادوا يأساً على يأس. وإن لم يخل تشفير مباريات الكرة من فائدة على المدى الطويل، فالتشجيع مثله مثل صلاة الجماعة يستخدم استخداماً سلبياً لكسر التراتب الوظيفي بالمؤسسسات؛ حيث يستطيع أصغر عامل أن يستخدم أكثر الألفاظ بذاءة مع مديره المتجهمبخصوص ويصبح ذم الفريق نوعاً من الذم المبطن للسلطة التي يمثلها المدير أو له شخصياً.

هذا النوع من التسامح والراحة من القواعد من جانب الأقوى، يتحول بعد ذلك إلى حالة دائمة من الفوضى!

وقد كان تشفير مباريات كأس العالم الحالي أنفع من بثها، إذ تزامن المونديال مع موسم التنكيل بطلاب الثانوية العامة، إلا أن الامتحانات لم تمض بسلام، حيث اشتعلت الأوضاع في غزة وانتقلت الفضائيات استعداداً للقصف الإسرائيليي. وقد تسامى عشرات الآلاف من الطلاب على آلامهم الخاصة وأخذوا يتنقلون بين “الجزيرة” و “العربية” والـ “بي بي سي” ليشاهدوا ـ مقهورين ـ القصف على الهواء.

وكما في كل مباراة كانت الفضائيات تغطي فراغ ما قبل الضرب باستضافة المديرين الفنيين من الجهتين، الإسرائيليون يموهون خططهم بينما الفلسطينيون يشكون من تقاعس العرب والمجتمع الدولي ويتوعدون برد لاتؤهلهم إمكانياتهم لإحرازه. وكما في مباريات الكرة تتنوع لغة الخطاب بين الحربي والجنسي.

وإذا كان الله قد يسر لنا شيخاً سعودياً  شفَّر مباريات كأس العالم، فإننا لم نظفر بصالح أو كامل حقيقيي يشفر علينا قنوات الحرب. و قد سئمنا وصف أرضنا بـ “المغتصبة” و”السليبة” ووصف سلوك العدو من قصف المدنيين إلى خطف الوزراء بـ “العربدة”.

وقد صار اغتصاب  العراق وفلسطين حملاً  ثقيلاً على ذكورتنا المهانة، خاصة وأن القائم بالاغتصاب في الحالتين دولة أنثى، من وجهة النظر اللغوية: الولايات المتحدة وإسرائيل!