لم تتركني لكنها صعدت

اشترى هاتفًا إضافيًا يحميه من النظرات الشفوق. يدخل إلى المطعم أو إلى المصعد أو النادي الرياضي بهاتف في يده والآخر مخفي في جيبه. يغافل الآخرين ويضغط زر المخفي، يرن هاتف اليد فيصطنع الإحساس بالمباغتة، يتأمل الرقم المتصل، ويدع الرنين إلى قرب نهايته ثم يفتح الخط ويبدأ بالثرثرة. 

أعفته مكالماته مع نفسه من إحساس برثاء الذات بسبب النظرات الشفوق في عيون الآخرين، وعندما يكون وحيدًا في غرفته يطلق الرنين عبثًا لكي ينبه الطارئين في الغرفة المجاورة إلى وجوده. 

لم يعد الرنين يكفي للتنبيه ولم تعد ثرثراته الطويلة مع نفسه تصلح لطمس صوت المرأة الشابة الذي يخترق الجدار الهش ويُذكِّره بوحدته وتداعي أعضائه. والأسوأ  كان استفحال الصراخ وانتشارة  بشكل عشوائي في أي وقت من النهار والليل. وبعد أن كانت التأوهات تؤرق قيلولاته بعذوبة، باتت تضغط على أعصابه في الليل مثل سوسة تنخر في عصب الضرس. 

يفكر مرارًا في طلب تغيير غرفته، وفي اللحظة ذاتها يتراجع عن الفكرة، لأنه غير واثق من نتيجة طلبه في ظل تدفق الطارئين، وساعتها سيفقد ألفته مع الغرفة، ويحس بإهانة لا يعرف كيف أو إلى من يجب أن يردها.

ـ وإن استُجيب لك، ماذا تفعل؟

يدير في ذهنه الاحتمال الآخر فيصيبه الوجل من فكرة تغيير غرفة ألفها، على الرغم من علمه بتطابق الغرف؛ الثلاجة نفسها، الغلاية، ماكينة صنع القهوة، اللوحة المعلقة على الحائط، حجم السرير، اتساع الحمام، وألوان الأرائك، لكن من غير المعقول أن تطرق الشمس زجاج واجهة غرفة أخرى من ذات الزاوية ولا يمكن أن تنسحب من الغرفة في  ذات التوقيت الذي اعتاده كل هذه السنوات وصار يعرف منه ساعات النهار وفصول السنة. سيصله صوت المصاعد من خارج الباب حتمًا لكن لن يكون بالكيفية ذاتها، سيرى أبراجًا أخرى، لكنه لن يرى ذات الأبراج التي يراها من واجهته؛ لا برج النهود الأربعة ولا ذاك المصمم على هيئة واق ذكري.  يتراجع عن الفكرة، يرفع صوت حواره مع نفسه، أو يزيد مؤشر صوت التليفزيون للتغلب على صخب الغرفة المجاورة. ولأنه بحاجة إلى التنفس بين جملة وجملة كما أن متحدثي التليفزيون يتنفسون، تباغته في لحظة الصمت آهة تشق سكون الليل مثل طلقة تباعد نومه.

 

استرجع عادة  التربص خلف عدسة الباب أيامًا طويلة، لكنه لم يتمكن من رؤية ساكني الغرفة المجاورة اللذين يتسافدان بدأب عدواني. 

ـ لن أصبر على هذا إلى الأبد. 

قال، بعد آهة شرسة حفرت مسارها في حزنه. ارتدى خف القنب وروبًا فوق ملابسه الداخلية وخرج غاضبًا. طرق عنيفًا على الباب. توقف الصوت بالداخل لكنه لم يتوقف عن الطرق. فتح الباب رجل ربعة لا تبدو ملامح وجهه المستدير من خلف لحية وشارب رماديين مهوشين. دعاه للدخول. تردد الطارىء برهة ثم استجاب لإشارات اليد الملحة.

سار الرجل أمامه إلى ركن الاستقبال حيث تتناثر كتب وألبومات صور وعبوات عصير فارغة، ألقى نظرة على المكان كله. كان واضحًا أن الرجل وحيد، وسط فوضى  السرير جهاز كمبيوتر تدوم تشكيلات من حزم الضوء على شاشته.

ـ بارد أم ساخن؟

سأله الرجل، فربت على صدره شاكرًا. جلسا متواجهين صامتين. أحس بسخافة ما أقدم عليه.

ـ يزعجك الكمبيوتر؟

بادر المضيف، فتضاعف خجله ولم ينبس. 

ـ آسف ان كنت أزعجك، لكنك ربما لم تعرف معنى الفقد.

فوضى الغرفة وتشعث الرجل عززا إيمانه بقانون الحياة الذي لا يتفهمه العاشقون؛ فليس في الدنيا إلا رجل متروك أو امرأة متروكة، لأن القيد يطوق معصمي الشريكين في ذات اللحظة، لكنه ذات يوم يحرر معصمًا ويُبقي الآخر مقيدًا. 

ـ لست أول ولا آخر مخذول.

قال الطارىء مواسيًا. 

ـ لم تتركني، لكنها صعدت.

صرخ ساكن الغرفة منزعجًا فأحس بالورطة التي وضع نفسه فيها، وبحلق إليه مذهولاً.

ـ لستُ مجنونًا.

 قال الرجل وأخذ يشرح كيف شرعت في التسارع فوق آلة الجري بصالة الرياضة مثلما تفعل عادة،  لكنها تجاوزت الحد في ذلك اليوم فاندفعت كالشهاب، اخترقت  زجاج النافذة، ثم حطت بعيدًا في البحر واستأنفت الركض فوق سطح الماء الساكن. 

ـ لا تنظر هكذا، أنت نفسك تعرفها.

صرخ الرجل وأخذ يهزه بعنف بعد أن جمع دفتي روبه بين يديه. تملص منه وشرع في الهروب فاستوقفه المضيف بنظرة توسل حزينة. مضى إلى السرير، لامس مربع التحكم فندت عن الكمبيوتر صرخة جديدة أوقفها الرجل بسرعة، ومضى نحو الطارىء يوازن الجهاز على راحة يد وبأصابع الأخرى يعبث بمربع التحكم.

ـ انظر!

قال، بينما ضغط زر التشغيل. تأمل الصورة مندهشًا وتذكر ذلك اليوم البعيد عندما اكتشف وجودها وخففت عنه متابعتها وطأة تحدي الرجل الجمبري.. مصمص شفتيه مواسيًا أسِفًا، نظر في عيني المضيف فتذكره، تذكر جلسته على آلة عضلات الصدر. كان حليقًا مبتهجًا والكاميرا في يده تلاحق حركتها باشتهاء. 

ـ سجلت كل لحظاتنا.

قال الرجل ضاغطًا زر التوقيف فثبتت صورة ردفين يملآن راحة يد واحدة داخل بنطلون منتفخ بالهواء.  


من «البحر خلف الستائر».