ما لا يزال ينسرق..مقاطع من قصيدة

وليد خازندار


1

ليست للبحرِ نزلةٌ من هُنا

لكنَّ موجاً

يأتي وينحسر.

يدكنُ الغيمُ

يدنو من الأشجارِ أكثرَ

ينزلُ صمتٌ على البيوت.

الخفيضُ

على غِرَّةٍ، دائماً

بين وقتٍ ووقتٍ

يعلنُ ثمرةً قد هَوَتْ

الصوتُ الأكثرُ زلزلةً

منذُ الينابيع.

حينَ لا تسعفُ غيرُ زهرةٍ

تخرجُ مع أوراقِها من جدار.

عشبٌ يشقُّ طريقَهُ في الأسيجة.

2     

أيكفي قاربٌ وحدُهُ

لقولِ كُلِّ شيء.

مطويٌّ عليهِ شراعُهُ

جانبَ الضَّفةِ

يملؤهُ المطر.

الماءُ واقفٌ تحتَ الجسرِ

كأنَّهُ يفكِّر.

قميصٌ شاغرٌ إلّا من الروحِ

عالقٌ بالشجرةِ العارية.

قد ينجَرِحُ الصمتُ

في حِدَّةٍ

إذا قَطَعَ القطارُ الذي لا يقف ـ

صوتُ الأمسِ

صوتُ الأيّامِ كُلِّها.

البيوتُ خفيفةٌ

تعودُ إلى الوراء.

لم يرجع الذين قالوا إنَّهم لن يتأخَّروا.

3

طائرٌ يقطعُ السماءَ القليلةَ بين العمارات.

ينزلُ، آخِذاً شمالَهُ

في سرعةِ من يعرفُ الطريق.

رجلٌ وامرأةٌ

في خطوةِ من لا يريدُ أن يصل.

لا يقولانِ شيئاً

ينعطفانِ دون تلفُّتٍ

بينَ الحوانيتِ التي تأخرت.

يكنسونَ النهارَ في المقهى

بينَ الطاولاتِ والكراسي

يجمعونَهُ في أكياسٍ سوداءَ

ساكتينَ كمن يُصغي.

سائقُ الأُجْرَةِ في الموقفِ الفارغِ

وجهُهُ نازلٌ على صدرِهِ

ينتظرُ المسافات.

كلابٌ بحبالٍ لامرئيَّةٍ

مشدودةٌ إلى سادةٍ معتمين.

4

ضرباتٌ بعيدةٌ تصمتُ

ثلاثٌ، ولا يحدثُ شيء.

عاصفةٌ صغيرةٌ

تخطفُ الأوراقَ في مرورِها

عن الرصيفِ وتختفي.

الطيورُ ذاتُها، ربَّما

اللامرئيةُ

تلكَ التي ترافقُ العشيَّاتِ أحياناً 

تخفقُ الآنَ

تُحَرِّكُ الأغصان.

تكسرُ أعمدةٌ ضوءَها

في صبرٍ على النوافذ.

ليس إلّا أن يصلَ الأطفالُ فجأةً

المحروقونَ أنفسُهم

على مهلٍ

يدقّونَ أبوابَ البيوتِ

يطلبونَ ماء.

كأنَّها سوف تمطر.

5

الأشجارُ استسلمَتْ للريحِ

من وقتٍ طويل.

زانةٌ على حِدَةٍ

على التَلَّةِ فَوْقْ

تهزُّ المهدَ الفارغَ للغصنِ المكسور.

التلالُ تَكْبُو

إلى الوراءِ، خلفَ المنازل.

خيوطٌ بيضاءُ

خفيفةٌ من المداخنِ

تَنْشَدُّ إلى مغزلٍ أهْوَج.

غيومٌ رصاصيَّةٌ

تدنو وتجتمع.

رويداً، بضربةٍ رشيقةٍ

نجمٌ وحيد.

شيءٌ يشرحُ القلبَ في بسالةِ الأَسقُفِ

في عنادِ الأبوابِ والنوافذ.

ستارةٌ مشقوقةٌ عن ضوءٍ خفيضٍ

تشدُّ أزْرَ الكون.

ــــــــــــ

من ديوان «بيوت النور الممكن»