إذا كانت الرواية قد ولدت من حيرة الكائن الفرد أمام لغز وجوده فإنها غذّت حياتها فيما بعد بلغز وجود الجماعة ، أو ما اصطلحنا على تعريفه بـ ” الهوية ” .
إن صحت هذه الفرضية على الرواية بشكل عام فإنها تصح بالضرورة على الرواية المصرية . و لذلك لن يكون باستطاعتنا تقديم إجابة مفهومة عن سؤال الرواية المصرية بعد نجيب محفوظ ، قبل أن نقف على سؤال الرواية قبل نجيب محفوظ .
و إذا كان الدارسون قد ارتضوا اعتبار رواية زينب لمحمد حسين هيكل عام 1911 الرواية المصرية الأولى ، فإن الأمانة تقتضي التنويه بأن ” زينب ” لم تكن استزراعا صناعيا في أرض جديدة ، و إنما فرع تمتد جذوره في الملاحم الشعبية و ألف ليلة.
هذا إن شئنا الاستسلام لغواية الكسل ؛ لأن الميلاد الحقيقي للرواية المصرية كان قبل ذلك بكثير ، إذ عرفت مصر الفرعونية منذ الدولة الوسطى ( قبل ميلاد المسيح بألفي عام ) قصصا مثل “الفلاح الفصيح ” و ” سنوحي ” و ” الغريق ” و مع الدولة الحديثة (1580 ) صار بإمكاننا أن نتعرف على أسماء مؤلفي القصص ، مثل قصة الأخوين التي كتبها “أنانا” تلميذ كاتب الخزانة الملكية ” كاجبو ” . و هذه القصص المصرية الأولى تختلف عن القصص الشعبي من حيث إنها :
- وجدت من أجل اللذة الفنية الخالصة .
- تضمنت فعل الكتابة حيث ولدت مدونة لا شفاهية .
كما إنها اختلفت عن الأساطير حيث تتناول حياة البشر و ليس حياة الآلهة ، و هو ما يضعها بامتياز في جنس الرواية .
في سنوحى أو ” سنوهيت ” يروي قائد جيش الملك أمنمحات الأول أنه كان عائدا من حملة على الليبيين و في هذه الأثناء بلغه موت الملك و تولي ولي العهد سنوسرت الأول مقاليد الحكم ، فما كان من سنوهيت إلا أن فر هاربا إلى سورية لأسباب غامضة ؛ لن يجد هو نفسه لها تفسيرا مقبولا بعد ذلك . و قد ارتفع نجم سنوهيت في سورية إلى أن سيطر عليه فزع ألا يبعث إذا مات و دفن خارج أرض مصر ، فكتب إلى سنوسرت الذي عفا عنه ليعود و يقضي أيامه الأخيرة في وطنه هاربا من مصير التبدد و المحو . فماذا تكون سنوهيت إذا لم تكن فعلا مبكرا لمقاومة ما أسماه هيدجر ” نسيان الوجود ” . و هو ما قامت عليه الدراما العظيمة على مر التاريخ .
و لسنا هنا بصدد استعراض سبق مصر في مجال إنتاج الحكاية ، بل للتأكيد على إنسانية هذا الفن الذي يعد كما يقول ميلان كونديرا بما لم تقدر عليه الأديان : توحيد الكوكب . لكن كونديرا المنشق التشيكي صاحب واحدة من أهم التأملات المعاصرة حول الرواية يبدو محكوما بعقدة الولاء ، فاختصر حياة الرواية في الأربعمائة عام الأخيرة إثباتا لولائه لأوروبا .بينما الرواية مثل كل الحضارة الإنسانية إسهام مشترك . و إذا كان سرفانتيس قد أسس فن البحث في الوجود المنسي أوروبيا في القرن العشرين بقفزة عملاقة تردد صداها في أرجاء الكون ن فإن ذلك لا يجب أن يثنينا عن شحذ ذاكرتنا بكل طاقة للتذكر ، طالما أننا نتحدث عن مقاومة النسيان ، و لا عن مد بصرنا إلى أقصى مكان ؛ طالما أننا نتحدث عن توحيد الكوكب ، و مصر لحسن الحظ ليست في المكان الأقصى .
ولدت الروايات الأولى إذن قبل أربعة آلاف عام سعيا إلى فهم لغز الوجود ، بينما ولدت الرواية الحديثة من سؤال الهوية ، فعندما نشر محمد حسين هيكل ” زينب ” لأول مرة عام 1911وقعها باسم ” فلاح مصري ” الأمر الذي اعتبره الباحثون نوعا من التخفي في وقت لم يكن للكتابة الروائية اعتبار ، أي أن التخفي برأيهم كان نوعا من الاستخذاء ، بينما يمكن قراءة الأمر من الوجهة المعاكسة تماما ، فلو كان التخفي بدافع الخجل من ممارسة هذا الفن لكان من الممكن لهيكل أن يستعير اسم علم ، مثلما فعل كثيرون غيره من قبل ، و لكنه كان على العكس يؤكد على مصرية و فلاحية الكاتب كنوع من الفخر الذي يناسب تلك المرحلة المصرية التي كانت تموج بالرغبة في تأكيد الهوية و التطلع إلى الاستقلال عن المحتل الانجليزي .
بعد هيكل عرفت الرواية المصرية روادا واصلوا كتابة الرواية و جمعوا مثله بين الرواية و الترجمة و الفكر و النقد الأدبي و قد تحولت الهوية في رواياتهم من مجرد دافع إلى موضوع ،فكان اللقاء بالآخر الأوروبي هم بعض تلك الروايات مثل ” قنديل أم هاشم ” ليحي حقي و ” عصفور من الشرق ” لتوفيق الحكيم .
ثم كان نجيب محفوظ أول كاتب مصري لا يحسب على جنس آخر غير الرواية . و قد تكَون هو الآخر و نضج في ظل المواجهة الوطنية مع المستعمر ، و كانت الرواية المصرية محظوظة بهذا الكاتب الذي أنجز وحده تاريخا موازيا لأكثر من أربعمائة عام من تطور الرواية الأوروبية ، فبدأ بالروايات التاريخية ، فالواقعية الاجتماعية ، ، ، فالرمزية ، راصدا لتاريخ الجماعة من شتى جوانبه دون أن يغيب عن باله سؤال الوجود .
و بعد نجيب محفوظ سيأتي يوسف إدريس ، و قد تشكل وعيه في فترة غليان الجامعة المصرية عشية الثورة التي اقتربت من تحققها، و ولد كاتبا للحظة الساخنة في الداخل ، و قد بدأ و أكمل مشروعه كاتبا للقصة بالأساس ، حيث كان سؤال الهوية في تراجع أمام اعتزاز الذات القوية بنفسها عندما أنجزت مصر تحررها و بدأت في مساندة الشعوب العربية الأخرى في الكفاح ضد الاستعمار القديم الذي بدأ في فقد مواقعه .
و قد لا تكون صدفة أن تأتي من بعد إدريس موجة من الكتاب ، في الستينيات و السبعينيات ، و قد بدأوا جميعا كتابا للقصة ، و كتبوا رواياتهم بعد ذلك ؛ باستثناء صنع الله إبراهيم و عبد الحكيم قاسم . و جاءت روايات تلك الفترة حاملة لسؤال الداخل السياسي بشكل أساسي ، و نذكر هنا ” الزيني بركات ” لجمال الغيطاني و ” تلك الرائحة ” لصنع الله إبراهيم .
و كان الاعتقاد حتى وقت قريب بأن سيادة القصة على مدى ثلاثة عقود بوصفها الفن الفن الأكثر تمثيلا لروح العصر ، حتى كانت التسعينيات فإذا بالكتاب القدامى يركزون جهودهم في الرواية ، و إذا الأجيال الجديدة تكتب الرواية أيضا و بعضهم بدأ بها مباشرة . فماذا حدث ؟ هل فقد العصر روحه ، و تخلى عن إيقاعه السريع ؟
لا أظن !و المنطق يتطلب العودة إلى توقيع هيكل ؛ لكي نفترض أن النهضة الروائية الحالية تنتمي إلى شيء هو ابن التسعينيات ، شيء أكثر إلحاحا من إيقاع العصر ؛ شيء يتعلق بسؤال الهوية الذي عاد في التسعينيات أكثر إلحاحا و إن كان أكثر التباسا .
لأن ” الآخر” عاد هذه المرة ملتبسا بشكل غير مسبوق ، فالآخر الذي لا يزال ينحصر بالنسبة لنا في الغرب الأوروبي و امتداده الأرعن في أمريكا ، لم يعد مجرد عدو محتل عند البعض ، مزدوج الصورة ـ على الأكثر ـ عند آخرين بوصفه موطن الاستعمار و التنوير ؛ بل صار متعددا بشكل مربك :فهو المستعمر عن بعد ؛القاهر بغزو السلعة .و هو موطن حقوق الإنسان و الملجأ لمن تضيق بهم أوطانهم قهرا أو فقرا ،و هو في نفس الوقت موطن التحالف مع السلطات غير الديمقراطية دفاعا عن مصالحه . هو سحر الحرية الاجتماعية ، و مصدر الإيدز طاعون العصر . هو مصدر الاكتشافات العلمية التي تطيل عمر الإنسان ، و مصدر القتل لأطفال العراق بحصار لا يبدو أنه سوف ينتهي يوما . هو موطن العلمانية و حرية الفكر و هو الذي يحمي دولة تقوم على أساس ديني . و يمكن أن نستمر هكذا في تعداد التجليات المتعارضة لهذا الآخر .
هذا التشظي قاد إلى التباس الذات على نفسها ، إضافة إلى أن رواية التسعينيات تكتبها أجيال متعاقبة كل جيل يحمل سؤال زمنه و رؤيته الخاصة إلى جانب سؤال هذا العقد الملتهب ، و قد أنتج هذا طيفا واسعا من الروايات تنتمي كل منها إلى ذات كاتبها أو كاتبتها بقدر ما تنعكس عليها التباسات اللحظة الراهنة و هكذا يتجاور الاحتماء بالتراث من الآخر المرهوب جنبا إلى جنب مع التماهي في الآخر المرغوب . و فعلت غواية الترجمة فعلها سعيا إلى حياة للنص في مكان آخر . و اتسع نطاق الإغواء إلى سعي الكاتب للهجرة إلى المكان الآخر بلحمه قبل نصه ، فظهرت أمراض النمذجة الفلكلورية و الفضائحية الأمر الذي يهبط ببعض الكتابة إلى مستوى اللعبة أو المزحة .
و لسنا هنا بصدد مصادرة حق كل كاتب في أن يكتب نصه ، و لكننا نسعى إلى إثبات افتراض أن ازدهار الرواية بمصر اليوم ليس بمعزل عن انفجار الهويات . و ربما يفسر لنا هذا الافتراض ظاهرة أن نجوم الكتابة الروائية في الغرب الآن هم من المهاجرين أمثال سلمان رشدي و طارق علي و حنيف قريشي و غيرهم .و بنفس القدر يمكن تفسير ازدهار الرواية في الدول الصغيرة بأمريكا اللاتينية ، المنطقة الأكثر تماسا مع أمريكا ، و الأكثر عرضة لتهديد تنوعها تحت ضغط الأمركة .
الرواية إذن هي الفن الأكثر تعبيرا عن الهوية ؛ و البديل السلمي عن حمل السلاح .و هو بديل ناجح على كل حال ، و لعله كاتب فرنسي أو كاتبة فرنسية من قال باستخفاف قبيح : ” ماذا يفيد الكاتب لو أصبح أشهر روائي في كولومبيا ” هذا الكاتب الذي لم يدرك حكمة الرواية عجز عن تصور أن يختتم القرن العشرون أيامه و قد وضع صولجان الرواية في العالم بيد كاتب من كولومبيا .
الرواية بالصدفة السعيدة أيضا الفن الأكثر تعبيرا عن المشترك الإنساني و دعوة إليه ، و من هذه الوجهة يمكن اعتبار تاريخ الفلسفة اليونانية تاريخا للمغايرة ؛ تاريخا للأوربة ، بينما تبقى ” أوديب ” سوفوكليس إشارة خالدة إلى وحدة الجنس البشري ، و من نفس المنطلق سنظل نقرأ ” دون كيخوته ” لسرفانتس دون أن نخطئ في تفسيرها ، بينما يمكن أن ننظر للقلاع العربية الباقية على أرض أسبانيا مرة باعتبارها تاريخا للالتقاء و التفاعل ، و مرة باعتبارها تاريخا للاحتلال و مرة تعبيرا عن الاقتلاع .
و قد شاءت الصدفة البحتة أن نجتمع هنا بعد شهرين من أحداث العنف المؤسفة التي شهدتها ” آل انخيدو ” ضد المهاجرين المغاربة الفقراء بسبب جريمة قتل كان يجب محاكمة مرتكبها وحده ، تلك الأحداث التي تزامنت مع صعود اليمين المتطرف في النمسا بما يحمل من كراهية للأجانب ، و رغم أن العنف عمليا وقع هنا لا هناك فإننا اليوم هنا لنتحدث عن الرواية العربية ، لأن سرفانتس هنا و ليس في فيينا . ���& &Cة أشبيلية عام 2000