دليل وجودنا في سلامة الرئيس

picador.jpg!Blog
fernando botero

أوقات الوجبات تحولت إلى متعة أخرى. الحساء الذي رفضه لسانه في اليوم الأول، صار تدريجياً اختياره الأحب. أصبح بوسعه التخفف من الزي الرسمي عند توجهه إلى المطعم. يجلس وحيداً إلى مائدته الأخيرة لكونه أحدث ضابط في الفرقة، لم يعرف إن كان من حقه تبادل الحديث مع الرتب الأعلى أم لا. ولم يشعر بحاجة إلى ذلك. كان مثل مراهق يخطو خطوته الأولى في عالم البالغين؛ يلقي بأذنه على الموائد المجاورة، يستمع إلى ثرثرات الضباط من الدرجات الأعلى،  تصله بعض كلماتها، فيتعرف على ذكرياتهم في الفرقة، ما لم يعشه من مفاجآت صادفوها، وانطبعت آثارها على أجسادهم.

ـ تذكُرُ، متى اختفت صبغتها؟

يقول أحدهم بينما أمسك بالشعرة  البيضاء بين إبهامه وسبابته، فيسرح الآخر قليلا، قبل أن يجيبه:

ـ منذ ثلاث سنوات. في اليوم نفسه الذي ذهبت أنا فيه إلى طبيب الأسنان.

ـ كان إجهاداً عصبياً تعرضنا له بعد قنبلة الدخان التي فجرها العقيد في الموكب.

ـ لكننا مع ذلك لم نرتبك.

ـ كنا محظوظين، لأننا خمنا قبل التفجير عدم وجود الرئيس.the gard

ولم تكن الحوارات كلها على هذا النحو الودود، فقد يبدي أحدهم تأنيباً لضابط آخر من رتبة أقل.

ـ سبقتني بتجعيدة أيها النقيب، أخشى أنك لن تستمر معنا.

ـ سيادة الرائد، المفاجآت التي قابلتها أخرجت جسمي عن انضباطه.

 ـ ولكنك بأي حال لا يجب أن تتخطى رتبتك.

 

باستثناء لفت النظر الشفاهي في اليوم الأول لم يتعرض الملازم وحيد لتأنيب كهذا، ليس فقط لأنه فضَّل التلصص على عالم الكبار صامتاً، بل لكونه الأحدث، ولم يكن مصدر غيرة لأحد، رغم أنه لم يأت إلى هنا بلا طموحات.  على العكس، بدأ يشعر بأنه محبوب. في المساء تصطخب غرفته بالضباط. لا يتمكن من الاختلاء بنفسه إلا بعد أن ينتصف الليل، حيث يمكنه إلقاء نظرة على صور والديه التي لم ينم ليلة قبل أن  يتأملها، ثم يبدأ في قراءة رسائل خطيبته وتأمل صورها، يتوقف طويلاً أمام اتساع جيدها الذي ينبثق منه النهدان الصغيران. يتأمل حركات أصابعها المكتنزة الدافئة. ولكنه لاينظر إلى عينيها إلا وتهل عليه النظرة الغاضبة المثيرة للمرأة الجميلة الساخطة.

في الليالي الأولى كان يؤنب نفسه، لا على خيانة الفتاة التي تعلق بها منذ ثلاث سنوات، بل على حضور المرأة الأخرى. كانت اللوائح تقضي بإسقاط هذه النظرة، لكنه لم يفعل. وتقريبا كان هذا أكبر همومه، معتقداً أنه باحتفاظه بنظرة المرأة بدأ في استغلال وضعه الوظيفي. النزاهة تفرض عليه أن يفرج عن النظرة التي كان غضبها في الحدود القانونية، كما أن غضبها لم يكن بأكبر من غضب غيرها من المتوقفين في التقاطع.

وتحت تأثير هذا الشعور بالذنب، لم تعد زيارات الضباط المسائية لغرفته مصدر تسلية فقط، بل نوعاً من الحراسة لساعات فراغه، تمنع خاطره من الانشغال بالمرأة الساخطة. وفوق هذا تحولت الزيارات إلى متعة ومصدر للإحساس بالذات، فأثناء النهار لم يكن أحد يناديه إلا بـ “أيها الملازم” لكن اسمه كان أكثر كلمة تتردد في الأمسيات.

 

ـ وحيد، لم تقل من أين أنت؟

ـ لم تأكل بشهية كبيرة في الغداء يا وحيد.

ـ وحيد، ما معنى وحيد؟ أعني ماذا تحس لكونك تمتلك اسماً!

اندهش ولم يجب على الرائد، أكثر زواره فضولاً، منتبهاً إلى أنه لم يعرف اسمه، لم يعرف اسم أحد من الضباط، بما في ذلك العقيد، واستحى أن يسأل مؤجلاً الأمر إلى مصادفات لم تأت. وهو وإن كان قد أتقن مفاجآت الاستنفار، فإنه في المنامات والملابس الرياضية يميز بالكاد بين رتبة ورتبة، لكن الأمر يلتبس عليه تماماً بين ضابطين من الرتبة ذاتها، وأحياناً ما يشك أن الذي دخل تواً إلى حجرته هو نفسه الذي غادرها منذ دقيقة واحدة، خصوصاً وأن الحوارات أخذت تتكرر بتغييرات طفيفة. ولكنه متشجعاً بسؤال الرائد، رد بسؤال:

ـ وهل أنا وحدي من يحمل اسماً هنا يا سيادة الرائد؟

ـ الآن نعم. لكن كل من رأيتهم هنا كانت لهم في البداية أسماء، بعضها أجمل من اسمك أيها الملازم.

ـ ومن سلبكم أسماءكم يا سيادة الرائد؟

ـ لا أحد أيها الملازم، نحن تخلينا عنها.

ـ لِمَ سيادة الرائد؟

ـ  الناس يكونون بحاجة إلى الأسماء عندما يعيشون لأنفسهم، أما الحراس الذين يعيشون من أجل الرئيس فلا حاجة بهم للأسماء.

ـ الأسماء جزء من وجودنا يا سيادة الرائد، هي دليل وجودنا تقريباً.

ـ دليل وجودنا في سلامة الرئيس.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*الحارس ـ دار العين ـ 2007